هل أصبح الذكاء الاصطناعي أخطر من النووي؟ سؤال لم يعد ضربًا من الخيال، في عالم تتسابق فيه الدول على امتلاك هذه القوة، بينما تتسع المخاوف من ثمنها على الإنسان والاقتصاد والأمن العالمي.
لم تعد المعركة حول استخدام الذكاء الاصطناعي، بل حول من يملكه، ومن يضع قواعده، ومن يستطيع السيطرة عليه إذا تجاوز حدود البشر.
إنها ليست ثورة تكنولوجية فحسب... إنها معركة على مستقبل العالم.
ومع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة الـ81 خلال أسبوعين، يُنتظر أن يحضر الذكاء الاصطناعي بقوة في النقاشات العامة، باعتباره أحد الملفات الدولية التي تتسع حولها المخاوف والتنافس، وتحتاج إلى توافق دولي على قواعدها.
ما يحدث داخل الأمم المتحدة يوحي بأن القلق من الذكاء الاصطناعي لم يعد شأنًا تقنيًا يخص العلماء وشركات التكنولوجيا. فمع افتتاح الدورة الـ81 للجمعية العامة، يتقدم هذا الملف إلى قلب النقاش الدولي، فيما تتسابق الدول على أن يكون لها صوت في رسم قواعد هذه القوة الجديدة.
واللافت أن رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك حذّرت من أن أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا تتركز اليوم في أيدي عدد محدود من الشركات والدول، وأن كثيرًا من دول العالم ما زالت خارج الغرف التي تُتخذ فيها القرارات الأكثر تأثيرًا. ولهذا، فإن الوقت، كما تقول، لم يعد يسمح بالانتظار.
تخشى الأمم المتحدة الذكاء الاصطناعي المتقدم لأنه لم يعد مجرد تقنية، بل قوة قد تمس الأمن والحروب والاقتصاد والبيولوجيا. والخطر أن يمنح قدرات هائلة لجهات محدودة، من الهجمات السيبرانية والتضليل إلى تطوير الأسلحة والمساعدة في أبحاث بيولوجية شديدة الحساسية.
والخوف الحقيقي ليس من "آلة تتمرد على البشر"، بل من أن تصبح قدرات كانت تحتاج إلى دول ومؤسسات وخبراء كبار متاحة لجهات محدودة. وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من ثورة تقنية إلى قضية أمن عالمي.
وفي كواليس المنظمة الدولية، تبدو الصورة أكثر حساسية. فالدول الأعضاء لا تريد أن تستيقظ على عالم جديد تُكتب قواعده من خارجها. والمخاوف تمتد من اتساع الفجوة بين الدول الغنية والنامية، إلى فقدان الوظائف، وسوء استخدام التكنولوجيا، والأمن والرقابة، وصولاً إلى احتمال أن تصبح الأنظمة المتقدمة قوة يصعب ضبطها.
خلف الأحاديث عن مستقبل الذكاء الاصطناعي، تجري معركة هادئة على جبهتين: من يملك التكنولوجيا، ومن يكتب قواعدها؟ واشنطن تسابق الزمن للحفاظ على تفوقها، وبكين ترفض أن يكون المستقبل حكرًا على أميركا، بينما تبحث موسكو عن موقع يحمي نفوذها، وتخشى الهند ودول الجنوب أن تتحول إلى مجرد أسواق ومصادر بيانات وعمالة رقمية. وفي الخلفية، يحاول الاتحاد الأوروبي الدفع نحو قواعد أكثر صرامة للأمان والحقوق.
وقد كشف الحوار الأممي الأول حجم الاهتمام؛ إذ شاركت وفود من 163 دولة إلى جانب الخبراء والشركات والمجتمع المدني. لكن وراء هذا الحشد سؤال أكثر إلحاحًا: إذا كان الكبار يتنافسون على امتلاك قوة المستقبل وكتابة قوانينها، فمن يحمي الشعوب التي تعيش نتائج هذا السباق؟
ولهذا تتحرك الأمم المتحدة اليوم لبناء قواعد مشتركة، لا لإيقاف الذكاء الاصطناعي، بل لمحاولة إبقائه تحت سقف الإنسان والقانون. والأمم المتحدة، التي يفترض أن تكون مظلة لحماية العالم بقوانينها ومواثيقها، وإن عجزت في السنوات الماضية عن كبح حروب كثيرة، تحاول هذه المرة التحرك قبل أن تبدأ حرب الذكاء الاصطناعي.
وعندما تجتمع هذه العوامل مع سباق القوى الكبرى، قد لا يكون الذكاء الاصطناعي سبب الأزمة، بل مضاعفًا لها... فيما يبقى الإنسان والأجيال القادمة أول من يدفع الثمن.
عربيًا، المشهد لا يخلو من الحضور والقلق. الإمارات تتقدم في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مشروع دولة، فيما تنظر السعودية إليه كرافعة للتحول الاقتصادي والتكنولوجي، وتتابع قطر ومصر والبحرين الملف باهتمام، خصوصًا في الأمن السيبراني و التحول الرقمي .
لكن خلف هذا الطموح سؤال عربي لا يقل خطورة عن السباق نفسه: هل نمتلك هذه التكنولوجيا ونشارك في كتابة قواعدها، أم نكتفي باستهلاكها؟ فبين وعود الثروة والنفوذ، تقف مخاوف الوظائف والأمن ومستقبل الأجيال... وقد يكون أخطر ما في السباق أن نكتشف متأخرين أننا كنا نستخدم أدواته، بينما كان الآخرون يكتبون قواعده.
وبينما يتسابق العالم على الرقائق والحوسبة والذكاء الاصطناعي، يبدو لبنان كأنه يتابع السباق من شرفة القرن الماضي. دوائر حكومية ما زالت معظمها تكتب على الورق، وإنترنت يتعثر، وبنية علمية وتكنولوجية تتأخر عن الركب... ومع ذلك، لم ينسَ لبنان أن يواكب المستقبل: استحدث مقعدًا لوزير للذكاء الاصطناعي!
أما النقل العام، فلا باصات حديثة ولا قطارات مع أرقام، ولا شبكة تليق ببلد يريد أن يتحدث عن الثورة الرقمية؛ وكأن لبنان، الذي عرف الترامواي في القرن العشرين، قرر أن يدخل القرن الحادي والعشرين من دون أن يأخذ معه حتى سكة الحديد.
وفي مشهد مضحك، قد يحتشد عشرات الصحافيين والمصورين لإزاحة الستار عن جهاز ما في مشهد يوحي بأن لبنان سيطلق قمرًا صناعيًا أو فكّ أسرار القنبلة النووية.
لبنان الذي عرف الترامواي يومًا، تأخر كثيرًا عن ركب العصر؛ كيف سيتحدث بلغة الذكاء الاصطناعي وهو لا يملك حتى اليوم وسيلة نقل عامة محترمة، فيما العالم يركض نحو المستقبل. يا لمرارة المفارقة: كان للبنان ترامواي في القرن الماضي، بينما يدخل هذا القرن بلا قطار ولا كهرباء ولا شبكة نقل تليق بالناس... وكأن الطريق إلى المستقبل نفسه يحتاج في لبنان إلى وسيلة نقل.
سمر نادر–الأمم المتحدة
نيويورك
المصدر:
النشرة