قد يبدو هذا العنوان قاسيًا بعض الشيء بالنسبة إلى البعض، وربما مستفزًا بالنسبة إلى البعض الآخر، لكنه يبدو في الترجمة السياسية أكثر واقعية من كل العناوين أو الشعارات.
نعم، لا يحتاج
لبنان إلى انتصار عسكري جديد، ولا إلى جولة أخرى من
الدم والدمار كي يثبت أنه قادر على مواجهة
إسرائيل . فقد دفع هذا البلد، منذ عقود، أثمانًا تفوق بكثير قدرته على الاحتمال، فيما كانت كل حرب تنتهي بإعادة طرح السؤال نفسه: ماذا ربح لبنان، وماذا خسر؟
لبنان لا يحتاج إلى أن يخرج من الجولة الثامنة رافعًا راية النصر فوق مدنه المدمرة، ولا يحتاج إلى أن يقنع اللبنانيين بأن آلاف البيوت المهدمة والبنى التحتية المنهارة والهجرة الجديدة والانهيار الاقتصادي يمكن أن تتحول، بكلمات سياسية، إلى "نجاز استراتيجي". هذه ليست دعوة إلى الاستسلام، كما يعتقد البعض، ولا إلى التخلي عن الحقوق أو مواجهة
الاحتلال . إنها دعوة صريحة وواضحة إلى التمييز، للمرة الأولى ربما، بين انتصار السلاح وانتصار الدولة.
لقد آن الأوان لأن نسأل السؤال الذي تمّ تأجيله طويلًا ولأكثر من مرّة: لماذا يجب على لبنان أن يخوض حروبًا لا يملك وحده قرارها، ثم يدفع وحده ثمنها؟
هذه هي العقدة الحقيقية. فلبنان لا يستطيع أن يبني دولة فعلية فيما يبقى قرار الحرب والسلم موزعًا بين مؤسسات الدولة وقوى أخرى، ولا يستطيع أن يطلب من
المجتمع الدولي مساعدته على النهوض فيما يبقى احتمال اندلاع الحرب قائمًا في كل لحظة خارج القرار الرسمي. الدولة التي لا تملك قرارها العسكري لا تستطيع أن تملك قرارها السياسي كاملًا، والدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم تبقى، مهما كانت بياناتها قوية، دولة ناقصة السيادة. وهذا ما كان حاضرًا بالأمس في كلمات النواب في جلسة محاسبة الحكومة.
وهنا تحديدًا تصبح مسألة سلاح "
حزب الله " أكبر من كونها خلافًا لبنانيًا داخليًا. إنها جزء من السؤال عن لبنان الذي نريد أن نعيش فيه. هل نريد دولة تقرر وحدها متى تقاتل ومتى تفاوض ومتى تعقد الهدنة، أم نريد أن يبقى لبنان ساحة مفتوحة على حسابات
إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وسواها من القوى الإقليمية والدولية؟
قد يقول البعض إن التخلي عن منطق
المقاومة يعني تقديم لبنان لقمة سائغة لإسرائيل. لكن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن إسرائيل لا تحتاج إلى ذريعة كي تضغط على لبنان أو تستهدفه عندما ترى أن مصالحها الأمنية تقتضي ذلك. وما يحتاج إليه لبنان اليوم، في المقابل، ليس قوة موازية للدولة، بل دولة قادرة على حماية أرضه وشعبه، وجيش قادر على الدفاع عن الحدود، وسلطة سياسية تستطيع أن تخوض المعركة الدبلوماسية والقانونية والدولية بكل ما تملك من أوراق.
ليس مطلوبًا من لبنان أن يثق بإسرائيل، ولا أن ينسى الاحتلال، ولا أن يتنازل عن حقوقه. المطلوب فقط أن يتوقف عن خوض المعركة بالطريقة التي يريدها الآخرون.
فإذا كانت إسرائيل تريد استدراج "حزب الله" إلى حرب واسعة، وإذا كانت إيران تريد الاحتفاظ بأوراقها
اللبنانية ضمن صراعها الإقليمي، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله لبنان هو أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة تتقاطع فوقها كل هذه الحسابات. عندها يصبح اللبناني مجرد متفرج على قرار لا يصنعه، وضحية لنتائج لا يستطيع التحكم بها. أما الانتصار الحقيقي، فهو أن يخرج لبنان من هذه الدائرة الجهنمية، وأن تتوقف الحرب عندما تقرر
الدولة اللبنانية ذلك، لا عندما تقرر العواصم الأخرى، وأن يصبح الجيش وحده صاحب السلاح الشرعي، وأن تكون الحدود مسؤولية الدولة، وأن يكون التفاوض باسم لبنان من اختصاص الدولة، وأن يصبح الجنوب جزءًا من الدولة اللبنانية، لا صندوق بريد مفتوحًا للصراعات الإقليمية.
قد يكون هذا النوع من "الانتصار" أقل كلفة من صور الصواريخ والبيانات العسكرية، لكنه أكثر أهمية وأطول عمرًا. فما قيمة أن ننتصر في معركة ونخسر وطنًا، وما قيمة أن نهزم إسرائيل في جولة إذا بقي لبنان عاجزًا عن حماية نفسه من الجولة التالية؟
لبنان لا يحتاج إلى الانتصار على إسرائيل. لبنان يحتاج إلى الانتصار على المعادلة التي جعلت منه ساحة دائمة للحرب. وهذا، في رأيي، هو الانتصار الوحيد الذي يستحق أن يبحث عنه اللبنانيون اليوم.