في كل مرة تصل فيها الموازنة العامة إلى مجلس النواب، يتكرر المشهد نفسه. اعتراضات نيابية على الضرائب والرسوم، تحذيرات من تحميل المواطن أعباء إضافية، وانتقادات لمشروع الحكومة. ثم تبدأ لجنة المال والموازنة عملها، وتُناقش المواد وتُجرى بعض التعديلات، قبل أن تصل الموازنة إلى الهيئة العامة ، فتمرّ الضرائب، فيما تبقى الإصلاحات الأساسية خارج الحساب.
المفارقة أن
النقاش المالي في
لبنان غالباً ما يتركز على كم سيدفع المواطن، وليس على لماذا لا تحصّل الدولة ما هو مستحق لها أصلاً. فالتهرب الضريبي لا يزال واسعاً، والاقتصاد غير المنظم خارج جزء كبير من
الدورة الضريبية، فيما يبقى الهدر والإنفاق غير المنتج من الملفات التي يصعب الاقتراب منها بالجدية نفسها التي تُعتمد عند البحث عن إيرادات إضافية.
وهكذا تتحول الموازنة من فرصة لإعادة ترتيب مالية الدولة إلى عملية حسابية بسيطة، إذ عندما تحتاج الخزينة إلى أموال، يُبحث عن مصدر سريع لها، وغالباً ما يكون الضرائب والرسوم. أما الإصلاح الذي يطال طريقة الإنفاق، ومكامن الهدر، وتحسين الجباية، وملاحقة التهرب، فيُرحّل إلى "وقت آخر".
وهنا تحديداً، ومن وجهة نظر عدد من الخبراء الماليين، تصبح المسؤولية مشتركة بين الحكومة ومجلس النواب. فلا يكفي أن تعترض الكتل النيابية على مشروع الموازنة في الإعلام أو تحت قبة
البرلمان إذا كانت النتيجة النهائية تمرير الإجراءات المالية نفسها من دون معالجة جوهر المشكلة. كما لا يكفي أن تقول الحكومة إنها تحتاج إلى الإيرادات، من دون أن تقدم في المقابل خطة واضحة لضبط الإنفاق وتحسين الإدارة والجباية.
فاللبناني دفع كلفة الانهيار المالي أكثر من مرة، ولم يعد مستعداً لتقبّل معادلة تقوم على تحميله المزيد من الأعباء فيما تبقى الدولة عاجزة عن تحصيل حقوقها من الجميع وضبط ما تنفقه.
المطلوب، في رأي هؤلاء الخبراء، ليس موازنة بلا ضرائب، فهذا غير واقعي، بل موازنة لا تجعل الضريبة عنوان الإصلاح الوحيد. الإصلاح الحقيقي يبدأ من مكافحة التهرب والهدر، ومن إجبار
الدولة على ضبط إنفاقها كما تطلب من المواطن الالتزام بواجباته.
فالمفارقة
اللبنانية باتت واضحة وسط مشهدية هزلية إلى حدّ كبير، أذ يرى اللبنانيون نوابهم الممدّد لهم يسجّلون اعتراضاتهم على الموازنة، في الوقت الذي تكتفي فيه الحكومة بالدفاع السلبي عنها، فتمّ الضرائب كما هي، ويبقى الإصلاح في ثلاجة الانتظار.