لم يعد شهر أيلول شهرًا عابرًا في ذاكرة
حزب الله . فمنذ عام 2024، ارتبط هذا الشهر بثلاث محطات ثقيلة، أصابت الحزب في أكثر من مستوى، وراكمت خسائر لم تكن عابرة، سواء على الصعيد الأمني أو القيادي أو الميداني.
بدأت الحكاية في 17 و18 أيلول 2024، مع تفجير أجهزة "البيجر" التي كان يستخدمها عناصر حزب الله.
كانت العملية ضربة أمنية غير مسبوقة، لأنها لم تستهدف مواقع عسكرية أو خطوط إمداد، بل وصلت مباشرة إلى داخل المنظومة التنظيمية للحزب.
والأخطر أن العملية أظهرت قدرة الخصم على اختراق واحدة من أكثر الحلقات حساسية داخل الحزب، أي شبكة التواصل بين عناصره وقياداته.
ولم يكن الحزب قد استوعب تداعيات تلك الضربة، حتى جاء 27 أيلول، حاملاً واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخه، مع اغتيال
الأمين العام
السيد حسن نصرالله .
هنا لم تعد المسألة مرتبطة باختراق أمني أو خسارة مجموعة من العناصر، بل وصلت إلى رأس الهرم نفسه.
فنصرالله لم يكن مجرد أمين عام للحزب، بل كان الشخصية التي ارتبط بها القرار السياسي والعسكري وصورة الحزب وقوته لسنوات طويلة. وشكل اغتياله بالتالي ضربة تتجاوز البعد الشخصي.فقد ترك فراغًا كبيرًا في القيادة، وفرض على الحزب إعادة ترتيب حساباته في واحدة من أكثر المراحل حساسية. كما أن الوصول إلى
نصرالله بعد سلسلة من العمليات والضربات، عزز الانطباع بأن مستوى الاختراق الذي واجهه الحزب لم يكن محدودًا، بل كان أعمق مما كان يُعتقد.
ثم جاء أيلول 2026 ليحمل محطة ثالثة، مع سقوط منطقة
علي الطاهر . وهذه المرة انتقلت الخسارة إلى مستوى مختلف، يرتبط بالأرض والميدان. فعلي الطاهر يحمل أهمية استراتيجية في الجنوب، وسقوطه لا يُقرأ فقط باعتباره خسارة موقع، بل كجزء من تحولات أكبر في الواقع العسكري
جنوب لبنان ، وفي قدرة حزب الله على الحفاظ على بعض مواقعه ونقاطه المتقدمة.
وهنا تظهر المفارقة الأبرز. ففي أقل من عامين، أصابت ضربات أيلول ثلاث ركائز أساسية في قوة الحزب.
الأولى كانت أمنية مع تفجير أجهزة الاتصال، والثانية قيادية مع اغتيال
السيد نصرالله ، والثالثة ميدانية مع سقوط موقع استراتيجي. قد لا يكون من الدقيق القول إن أيلول وحده صنع هذه التحولات، لكن تزامن هذه
المحطات في الشهر نفسه يمنحه رمزية خاصة.
فالتاريخ لا يتكرر بالضرورة، لكن بعض الأشهر تترك أثرًا أكبر من غيرها، وأيلول بات واحدًا من هذه الأشهر في مسار حزب الله. الأهم أن هذه الخسائر لا يمكن النظر إليها بمعزل عن بعضها. فالضربة الأمنية كشفت هشاشة في منظومة الحماية، واغتيال السيد نصرالله كشف حجم الاختراق الذي وصل إلى القيادة، بينما تعكس التطورات الميدانية تبدلًا في طبيعة المعادلة على الأرض. ومع كل ضربة، لم تعد القضية مجرد تعويض خسارة أو استبدال قائد أو استعادة موقع، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الحزب على إعادة بناء منظومة القوة نفسها في ظل واقع مختلف.
وهذا ما يجعل أيلول شهرًا مثقلًا بالرمزية بالنسبة إلى حزب الله. ثلاثة تواريخ، وثلاث ضربات، وكل واحدة منها تركت ندبة مختلفة. أجهزة انفجرت، قائد اغتيل، وموقع سقط. وبين هذه المشاهد، تبدو صورة مرحلة كاملة تتغير، بعدما وجد الحزب
نفسه أمام خسائر متتالية لا تطال عنصرًا واحدًا من قوته، بل تمس الأمن والقيادة والميدان في آن واحد.