آخر الأخبار

همّ أقساط المدارس يقضّ مضاجع اللبنانيين

شارك
مع بداية شهر أيلول من كل سنة يقفز همّ الأقساط المدرسية إلى صدارة هموم اللبنانيين، التي لا حدّ لها ولا حصر. ومع بداية كل خريف تُعاد الأسئلة ذاتها، والتي تتمحور حول كيفية تأمين هذه الأقساط، وتكثر التنظيرات والنصائح التي لا تنتهي، ومن بينها وأهمّها بالطبع: شو بها المدرسة الرسمية (المعارف)، ولماذا لا يقدم الأهالي، التي لا تسمح لهم ظروفهم المعيشية بتأمين كلفة أقساط المدارس الخاصة، على تسجيل أولادهم في المدارس الحكومية، ولماذا كل هذه "الزنطرة" و"العنطزة"؟ ولكي لا يُسأ فهم نظرة هؤلاء الأهالي إلى المدارس الرسمية نغض النظر عمّا تحتاج إليه هذه المدارس لكي تصبح في مستوى المدارس الخاصة. ولا بدّ هنا من فتح هلالين للإضاءة على ما يتوجب على الهيئات الدينية من مختلف الطوائف المشرفة على معظم المدارس الخاصة من موجبات تجاه التلامذة الأقل حظًّا من غيرهم، والتي قست الحياة على أهاليهم، الذين هم على استعداد للتضحية لكل شيء في سبيل تأمين ظروف تعليمية مؤاتية لهم.
ويأتي هذا الهم، الذي يتكرّر كل سنة، وبالأخص هذه السنة، بالتزامن مع تراجع تدفق المساعدات من الخارج، ليضاف هذا الهمّ إلى الهموم الكبرى، التي تواجه البلد ككل، خصوصًا أن هذه الأقساط مطلوب تأمينها بالعملة الصعبة في وقت يبقى فيه الطلب على الدولار مرتفعاً لتمويل ما يحتاج إليه المواطن في حياته اليومية، التي أصبحت مرتبطة في شكل أساسي بالعملة الخضراء.
وهنا يستحضرنا عامل آخر له علاقة باستقرار سعر صرف الليرة أمام الدولار من دون أن يعني هذا الاستقرار بالضرورة أن الوضع المالي أصبح سليماً، إذ إن الحفاظ على هذا الاستقرار قد تكون له كلفة تتمثل في استنزاف تدريجي للاحتياطات، ولا سيما إذا تزامن تراجع تدفقات العملات الأجنبية مع ارتفاع الحاجة إلى تمويل الاستيراد. ومن هنا يبدأ الخطر الحقيقي، وهو أن أي استقرار نقدي ظاهري قد يخفي وراءه تراجعاً تدريجياً في هامش الأمان المالي.
وبينما تجهد الدولة لتأمين أدنى متطلبات الصمود الاجتماعي، مع ما يعترضها من صعوبات وأزمات، فإن المواطن اللبناني لا يملك، في المقابل، ترف الانتظار، إذ أن العام الدراسي يطرق الأبواب، ومعه تتراكم الهموم الأخرى من أعباء السكن والكهرباء والغذاء والطبابة.
وفي الجهة الأخرى من المعادلة، لا تزال رواتب شرائح واسعة من اللبنانيين عاجزة عن مواكبة الارتفاع المستمر في كلفة المعيشة، فيما بلغ التضخم السنوي نحو 20 في المئة في نيسان 2026، وفق بيانات اقتصادية استندت إلى أرقام إدارة الإحصاء المركزي . وهكذا تختصر المعادلة نفسها بثلاث كلمات: دولار يُفتش عنه بـ "السراج والفتيلة"، أسعار تكوي وأقساط مدرسية لا ترحم، ورواتب "شم ولا تدوق"، من دون إغفال الهمّ الأكبر، الذي يلاحق جميع اللبنانيين من دون استثناء، الذين يتساءلون مع كل اشراقة شمس إذا ما كانت تلوح في الأفق أزمة مالية جديدة؟
الخبراء الماليون يقولون إن ليس من الدقة القول إن لبنان يتجه حكماً إلى أزمة مالية جديدة، لكن المؤشرات التي تستحق المراقبة باتت واضحة، وأبرزها ثلاثة: حجم التحويلات الوافدة من الخارج، وحجم السيولة بالدولار في السوق، ومستوى احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية. فإذا بدأت المؤشرات الثلاثة تتحرك في الاتجاه السلبي نفسه، تصبح قدرة الاقتصاد اللبناني على امتصاص أي صدمة جديدة أكثر محدودية.
وعندها لن تعود المسألة مرتبطة بالعقوبات الأميركية على " حزب الله " وإيران فحسب، بل ستتحول إلى مشكلة اقتصادية أوسع تطال اللبنانيين بمختلف شرائحهم.
فلبنان لا يستطيع أن يخسر جزءاً من دولارات المغتربين، فيما ترتفع في الوقت نفسه فاتورة الاستيراد وكلفة الطاقة والخدمات، ثم يتوقع أن يبقى مستوى معيشة اللبنانيين على حاله.
والأخطر أن استمرار الضغط على الاحتياطات قد ينقل المعركة من مجرد الدفاع عن استقرار سعر الصرف إلى معركة أكبر بكثير، وهي معركة الدفاع عن قدرة الاقتصاد على تأمين حاجاته الأساسية.
وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه السلسلة. فالمغترب قد يؤجل تحويله، والتاجر قد يرفع أسعاره، والدولة قد تعيد ترتيب إنفاقها، ومصرف لبنان قد يتدخل من احتياطاته، لكن العائلة اللبنانية لا تستطيع تأجيل العام الدراسي. ولا تستطيع تأجيل فاتورة الكهرباء، ولا تستطيع تأجيل شراء الغذاء والدواء ودفع كلفة النقل.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: فإذا كان الدولار هو شريان الاقتصاد اللبناني، فماذا يحدث عندما تبدأ تدفقاته بالتراجع، فيما ترتفع كلفة الحياة من كل الجهات؟
قد لا يكون لبنان أمام انهيار جديد، لكن الخطر أن يجد اللبنانيون أنفسهم أمام أزمة معيشية جديدة، قبل أن يلتقط الاقتصاد أنفاسه من أزماته السابقة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا