لم تكن كلمة رئيس
حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أمس ، والتي وجّه خلالها انتقادات علنية وصريحة إلى عهد الرئيس جوزيف عون وحكومة الرئيس نواف سلام، مفاجئة إلى حدّ كبير. فالمطلعون على الكواليس السياسية يدركون منذ فترة أن العلاقة بين جعجع والعهد ليست في أفضل حالاتها، وأن رئيس "القوات" لا يستسيغ الكثير من خيارات الرئيس الداخلية وطريقة إدارته للتوازنات السياسية.
لكن الجديد هذه المرة هو انتقال هذا التباين من الغرف المغلقة والرسائل السياسية غير المباشرة إلى المواجهة العلنية. وهذا التحول لا يبدو منفصلًا عن مجموعة عوامل سياسية وشعبية بدأت تفرض نفسها على المشهد اللبناني.
أول هذه العوامل يرتبط بشعور جعجع بأن هناك حالة غضب شعبية حقيقية تجاه أداء السلطة، وخصوصًا في الملفات المعيشية. ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة وتراجع القدرة الشرائية، إضافة إلى مجموعة من الأزمات اليومية، كلها عوامل تجعل الحكومة والعهد في مواجهة مزاج شعبي غير مريح. ومن هنا، يبدو أن "القوات" تحاول رفع سقف خطابها وإظهار نفسها وكأنها ليست جزءًا من الصف الحكومي التقليدي، بل قوة سياسية تراقب أداء السلطة وتعترض عليه وتطالب بتحسينه.
لكن هذا التموضع يواجه بدوره إشكالية واضحة، إذ إن "
القوات اللبنانية " ممثلة داخل الحكومة، ووزارة الطاقة تحديدًا، وهي واحدة من أكثر الوزارات ارتباطًا بالمشكلات اليومية التي يعاني منها اللبنانيون، ومحسوبة على" القوات". وبالتالي فإن محاولة الفصل الكامل بين "القوات" وأداء السلطة لن تكون سهلة سياسيًا أو شعبياً.
أما العامل الثاني، وربما الأكثر أهمية، فيتعلق بموقع جعجع نفسه ضمن المشهد السياسي الجديد. فالاهتمام الإقليمي والدولي، وتحديدًا السعودي والأميركي، بكل من الرئيس جوزيف عون والرئيس نواف سلام يبدو كبيرًا، كما أن التعويل عليهما في إدارة المرحلة مرتفع. وهذا التحول قد لا يكون مريحًا بالنسبة إلى معراب.
فخلال السنوات الماضية، سعى جعجع إلى تكريس نفسه رأس حربة المشروع السياسي المناهض ل"
حزب الله "في
لبنان ، لكن المشهد تبدّل اليوم. عون وسلام باتا، بحكم موقعيهما، في صدارة التوجه السياسي الذي تراهن عليه قوى إقليمية ودولية في مواجهة نفوذ الحزب، ما يجعل دور جعجع أقل مركزية مما كان يطمح إليه.
وفي هذا السياق أيضًا، تأتي محاولة جعجع الإيحاء بأن استبعاد
وزير الخارجية يوسف فرنجية من بعض الزيارات الخارجية مرتبط بسقفه السياسي المرتفع، وكأن الرسالة أن عون وسلام لا يريدان الذهاب إلى مواجهة كاملة مع "حزب الله"، أو أنهما يحاولان إبقاء هامش للتسويات والتواصل السياسي.
لكن هجوم جعجع يفتح بابًا أمام أسئلة أكبر من مضمون الكلمة نفسها. هل ما قاله يشكل رسالة خارجية وصلت إليه، أم أنه في الأساس رسالة منه إلى الخارج، وتحديدًا إلى
السعودية والولايات المتحدة، مفادها أن "القوات" لا تزال الطرف الأكثر وضوحًا في خياراته السياسية؟
والسؤال الأكثر حساسية يتعلق بالشارع المسيحي. فهل بدأ جعجع يشعر بأن الرئيس جوزيف عون يراكم حضورًا وشعبية سياسية داخل البيئة
المسيحية ، بما قد يتحول مع الوقت إلى منافسة جدية ل"القوات
اللبنانية "؟
إذا كان هذا التقدير موجودًا فعلًا في معراب، يصبح رفع السقف في مواجهة العهد مفهومًا أكثر. فالمسألة عندها لا تعود مجرد اعتراض على أداء حكومة أو رئيس، بل محاولة مبكرة لرسم الحدود السياسية، واستعادة المبادرة، ومنع تحوّل جوزيف عون إلى مركز جذب
مسيحي قادر على إعادة خلط التوازنات في المرحلة المقبلة.