كان يُفترض أن تكون «نزهة» عسكرية لا تتجاوز أسبوعين: ضربة مركّزة، يُشلّ معها البرنامج النووي، ويهتزّ النظام، وتُعلّق صورة النصر في البيت الأبيض قبل أن يبرد فنجان القهوة. بعد ستة أشهر، يبدو أنّ الهمّ الأول في واشنطن لم يعد تغيير النظام ال إيران ي أو إعلان القضاء على برنامجه النووي، بل فتح مضيق هرمز ... ذلك المضيق الذي كان مفتوحًا أصلًا قبل أن تبدأ الحرب.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ، الذي قدّم نفسه دائمًا رجلَ أعمال لا يخطئ في الحسابات، اكتشف أخيرًا أنّ إيران ليست عقارًا متعثّرًا يمكن الاستحواذ عليه ثم إعادة تسويقه. إنها مستنقع جيوسياسي واسع، ودولة بُنيت عبر التاريخ على عقائد راسخة. يدخل إليها المرء وهو يحمل خرائط الانتصار السريع، ثم يخرج منها باحثًا عن مخرج مشرّف وبيان صحفي يمكن استخدامه في الانتخابات بوصفه شهادة «نصر».
وربما تكفي ترامب، في النهاية، لحظة عبور آمنة في هرمز ليعلن أنّ المهمة أُنجزت، وأنّ التاريخ سيكتب أنّه حقق النصر.
لم تُهزم إيران عسكريًا، لكنها خرجت مثقلة بالخسائر. فقد تراجعت قدراتها الدفاعية الجوية والبحرية والصناعية، ولحقت أضرار بقطاع الطاقة والمصانع وشبكات الكهرباء. ومع ذلك، لا تزال تحتفظ بالصواريخ والمسيّرات وبقدرة على الضغط عبر مضيق هرمز. لكن أدوات الردع لا تستطيع حماية العائلات من الغلاء وتدهور الأوضاع المعيشية.
المجتمع الإيراني هو من دفع الفاتورة الأشد قسوة. فبعد ستة أشهر من الحرب، يقترب التضخم من 90%، فيما تجاوز تضخم الغذاء 127%، وهبطت العملة إلى نحو 2.06 مليون ريال مقابل الدولار. وفي طهران وحدها، تضررت أكثر من 50 ألف وحدة سكنية، وسط انقطاعات في الكهرباء وأزمة وقود تجعل الحرب حاضرة في كل بيت، لا على خطوط الجبهة فقط.
وفي إيران، انكمشت التجارة الخارجية بنحو 35%، فتأخر وصول الأدوية والمواد الغذائية والمواد الخام، وارتفعت كلفة النقل والتأمين. ومع توقع انكماش الاقتصاد بين 5 و6%، تبقى الحقيقة المؤلمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أنّ إيران لا تزال قادرة على القتال، لكن المواطن الإيراني يدفع ثمن الصمود من راتبه وبيته ولقمة عيش أطفاله.
ومع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، تتحول حرب إيران من عملية عسكرية إلى عبء سياسي وعسكري ثقيل على ترامب. فبدلًا من نصر سريع يقدّمه للناخبين، تواجه واشنطن استنزافًا مقلقًا: استُخدم نحو 65% من مخزون صواريخ «باتريوت»، وتراجع مخزون منظومة «ثاد» بما لا يقل عن 38%، فيما بلغت بعض الذخائر الدقيقة مستوى حرجًا يحتاج إلى سنوات من القدرات الصناعية لتعويضه.
وفي الداخل الأميركي، يدفع المواطن الثمن في الوقود والغذاء والنقل والتأمين، بينما قد تبلغ كلفة إعادة التسليح وإصلاح المنشآت المتضررة نحو 250 مليار دولار، وفق تقدير محلي. صحيح أنّ الولايات المتحدة لا تقف أمام انهيار وشيك، لكن عندما يتجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار، يصبح هامش المناورة أضيق. فهذا الدين الضخم يفرض ضغوطًا إضافية على المالية العامة، وعلى سوق سندات الخزانة الأميركية وسوق الدولار، كما يفتح الباب أمام محاسبة سياسية من الحزب الديمقراطي الذي يراقب المشهد الذي وجدت واشنطن نفسها غارقة فيه اليوم.
وبعد تعثّر الحسم في الميدان، فهم ترامب أنّ القوة لا تُقاس بعدد الصواريخ وحدها، بل أيضًا بقدرة الاقتصاد على الصمود عندما تُغلق الموانئ والمضائق، وتقلّ الدولارات، وترتفع أسعار الغذاء.
فإذا تحولت الحرب إلى اختبار للتحمّل الاقتصادي، تبدو إيران أقرب إلى الاختناق من الولايات المتحدة. اقتصادها أصغر، وتجارتها تراجعت بنحو 25 إلى 35%، فيما يقترب التضخم من 90%، ويتهاوى الريال تحت وطأة العقوبات ونقص العملات الصعبة. والخطر هنا ليس إفلاسًا معلنًا، بل انهيارًا بطيئًا يترجم إلى نقص في الأدوية والغذاء والمواد الخام، وتعثر في المصانع، وتآكل في مدخول الأسر.
في المقابل، تتحمل واشنطن فاتورة مرتفعة في الطاقة والإنفاق العسكري والضغط الانتخابي، لكنها لا تزال تستند إلى قوة الدولار والأسواق وقدرتها الواسعة على التمويل. إيران تخوض معركة بقاء اقتصادي، فيما تدفع الولايات المتحدة الثمن بالدولار.
ومن وراء محيطها البعيد، تتابع الصين طبخة الشرق الأوسط على نار هادئة، وتقطف بهدوء عوائد اقتصاد يتقدم على وقع التوتر النفطي. وتبني بكين نفوذها المالي والصناعي، فيما تدفع بسياراتها الكهربائية إلى أسواق العالم، في انتصار بلا طلقة واحدة.
وقد تهبّ الصين لنجدة إيران قبل أن تبلغ حافة الانهيار، لا بدافع العاطفة وحدها، بل لأن سقوط شريكها يعني خسارة سوق نفطية وممر استراتيجي وعقدة مهمة في طريق «الحزام والطريق» بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
لكن يد بكين، وإن كانت طويلة، ليست بلا حدود؛ فهي لن تخاطر بمصارفها الكبرى وشركاتها العملاقة في مواجهة مباشرة مع العقوبات الأميركية.
لذلك، سيكون دعمها هادئًا ومحسوبًا: شراء النفط، والتبادل باليوان أو عبر المقايضة، والاستعانة بشركات أقل ظهورًا، وتوريد السلع المدنية، وتوفير غطاء دبلوماسي في مجلس الأمن لمواجهة عزل إيران. وقد يكفي ذلك لمنع السقوط الكامل، لكنه لن يعيد الدولار، ولن يفتح الموانئ، ولن ينقذ الريال.
وبالنسبة إلى إيران، دفعتها الحرب اليوم إلى البحث عن طرق بديلة عبر آسيا الوسطى و روسيا وبحر قزوين، في محاولة لتخفيف اعتمادها على المسارات التي باتت أكثر عرضة للضغط.
أما موسكو، فتريد إيران متماسكة، لا بدافع المودّة وحدها، بل خشية فراغ أمني يمتد من الخليج إلى القوقاز وآسيا الوسطى، ويمنح واشنطن نفوذًا أوسع على طرق التجارة.
لكنها، كما يقول المثل الروسي القديم: «لا يمكنك أن تعطي ما لا تملك». وروسيا لا تملك مفاتيح الدولار والتأمين والأسواق العالمية. ولذلك تستطيع مدّ طهران بالمقايضة والممرات البديلة والغطاء السياسي، وقد تساعدها على الصمود، من دون أن تتمكن وحدها من انتشال اقتصادها من الغرق.
أما كوريا الشمالية ، فقد تبدو في الخطابات «بعبعًا» عابرًا للقارات، لكنها في إنقاذ الاقتصاد الإيراني ليست أكثر من ظل بعيد على خريطة الشرق الأوسط. فبيونغ يانغ، البعيدة آلاف الكيلومترات والمثقلة بعزلتها وأزماتها، لا تملك خطة معلنة ولا المال أو الموانئ أو السوق النفطية القادرة على انتشال طهران من الاختناق.
وأقصى ما تستطيع تقديمه هو بعض الخبرة العسكرية والتقنية، ووسائل الالتفاف على العقوبات، وربما قنوات تجارية صغيرة تعمل في الظل.
حين عجز المدفع عن فرض نهاية سريعة على أسوار طهران، انتقلت الحرب من الصاروخ إلى الدولار، ومن الجبهة إلى رغيف الخبز وسعر الوقود.
لم تُهزم إيران، بل بقيت واقفة رغم النزيف؛ دولة مثقلة بالخسائر، وشعب اعتاد العقوبات ويستند إلى عقيدة وهوية وطنية قد تجعله أكثر صبرًا مما تتوقعه الحسابات الاقتصادية الباردة.
وفي المقابل، لم تحسم أميركا المعركة، وهي تدفع فاتورتها في الذخائر والأسواق والانتخابات، فيما تتراكم في الداخل أزمات الغلاء والاستقطاب والقلق السياسي.
فهل تنقذ الصين وروسيا حليفتهما من الاختناق الاقتصادي، أم تكتفيان بإبقائها عند حافة الهاوية؟ وهل يمكن أن يطول الاستنزاف إلى حد يجد معه الأميركيون أنفسهم أمام أزمة داخلية أعمق مما خططوا له في طهران؟
سمر نادر–الأمم المتحدة نيويورك
المصدر:
النشرة