آخر الأخبار

الجنوب كما هو… حربٌ بلا إعلان تعيد رسم الأرض والناس

شارك
من بعيد، يبدو أن الجنوب خرج من الحرب، وأن الغارات المتفرقة مجرد خروق تعالجها المفاوضات. لكن هذه الصورة لا تشبه الواقع على الأرض. ما تراجع هو شكل الحرب الواسعة، أما الحرب فبدّلت أدواتها: احتلال لأجزاء من الأرض، قرى مدمرة أو ممنوعة على أهلها، مسيّرات لا تغادر السماء، وبلدات تخضع لترتيبات أمنية لا يعرف سكانها إن كانت مقدمة للعودة أم صيغة جديدة لتقييدها.

الوضع الحقيقي ليس "لا حرب ولا سلام"، بل حرب منخفضة الضجيج تتيح لإسرائيل مواصلة الضغط من دون مواجهة شاملة. فلا تحتاج إلى اجتياح جديد لتغيير الوقائع؛ يكفي أن تمنع السكان من العودة، وأن تبقي الطرق والمرتفعات تحت سيطرتها النارية، وأن تجعل كل ورشة إعمار أو انتشار للجيش اللبناني خاضعاً لمعادلة أمنية منفصلة.

لم يعد الجنوب جبهة واحدة تبدأ عند الحدود وتنتهي عند الليطاني . صار طبقات: قرى حدودية سُوّيت أجزاء منها بالأرض، مناطق تحت الاحتلال أو ضمن الشريط الذي تسميه إسرائيل "منطقة عازلة"، بلدات دخلها الجيش اللبناني وفق ترتيبات "المناطق التجريبية"، وأحزمة خلفية تمتد نحو النبطية وإقليم التفاح وتبقى تحت الاستطلاع والقصف.

هذه التجزئة ليست تفصيلاً. حين تتحول كل بلدة إلى ملف تفاوضي، وكل تلة إلى عقدة أمنية، وكل طريق إلى ممر يحتاج إلى تنسيق، تصبح السيادة نفسها موضع تفاوض. وبدلاً من أن يكون الانسحاب قاعدة تليها ترتيبات أمنية، يتحول إلى خطوة مشروطة بما تعتبره إسرائيل «أداءً لبنانياً» في نزع السلاح وتفكيك البنى العسكرية.

وتختصر تلة علي الطاهر هذا الصراع. فالمعركة حولها لم تعد على مرتفع فقط، بل اختباراً لما تستطيع إسرائيل فرضه من دون إشعال حرب شاملة.

ويقيس السكان الحرب بتفاصيل أصغر من الخرائط: صوت المسيّرة حين تنخفض فوق المنازل، الأسئلة عند الحواجز، الطريق التي يمكن استخدامها، والأخرى التي قد تتحول خلال دقائق إلى منطقة قصف. في بلدات مثل زوطر الغربية، يوجد الأهالي في بيوتهم من دون حياة طبيعية؛ فالمراقبة الجوية متواصلة، والتفجيرات والتقدم العسكري لا يبعدان كثيراً عنهم.

عشرات آلاف العائلات الجنوبية لا تستطيع العودة لأن القرية ليست منزلاً فقط، بل مدرسة وعيادة وفرناً وشبكة مياه وحقولاً وطرقاً. وحتى حين يبقى البيت قائماً، فإن غياب الخدمات والأمان يجعله غير صالح للحياة. لذلك يصبح تدمير القرى اقتلاعاً اجتماعياً ونفسياً، لا مجرد خسارة عمرانية يمكن تعويضها بالمال.

وسط هذا المشهد، تواجه الدولة معادلة شبه مستحيلة. يُطلب منها بسط سلطتها ونزع سلاح الحزب، فيما لا تستطيع ضمان انسحاب إسرائيل أو منع طائراتها من التحليق. وإذا نفذت الشق الأمني من دون انتزاع جدول للانسحاب، تخاطر بالظهور كأنها تدير الشروط الإسرائيلية . وإذا عجزت، تستخدم إسرائيل ذلك ذريعة لإبقاء احتلالها.

أما حزب الله ، فالرد الواسع قد يمنح إسرائيل مبرراً لتوسيع الحرب، فيما يؤدي استمرار الصمت إلى تآكل الردع وطرح سؤال عن جدوى السلاح إذا كانت القرى تُهدم والناس لا يعودون. هكذا تحوّل إسرائيل الوقت إلى جغرافيا، ويراهن الحزب على تجنب ضربة أكبر، بينما تراهن الدولة على مفاوضات بطيئة.

الحقيقة أن الجنوب لا ينتظر الحرب، بل يعيش نسخة أقل صخباً منها. والسؤال الأخطر لم يعد متى يقع التصعيد، بل ما إذا كان هذا الواقع المؤقت سيتحول، ببطء ومن دون إعلان، إلى الشكل الدائم والجديد للجنوب.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا