آخر الأخبار

لماذا يخشى جنبلاط اتفاق الإطار؟

شارك
ليس من السهل وضع الزعيم وليد جنبلاط في خانة واحدة عندما يتعلق الأمر بـ "اتفاق الإطار" اللبناني – الإسرائيلي . فهو، بحسب مواقفه المعلنة، لا يطرح نفسه جزءاً من جبهة سياسية لإسقاط الاتفاق، بل يقول إنه مستعد لمساعدة الدولة إذا أرادت إعادة النظر فيه. لكن في المقابل، يرفع مستوى اعتراضه إلى حد وصف الاتفاق بأنه "أحادي أملته إسرائيل "، معتبراً أنه لا يضمن وقف إطلاق النار ولا يفرض انسحاباً إسرائيلياً واضحاً من الأراضي اللبنانية .
وهنا تكمن أهمية موقف جنبلاط. فهو لا يعترض على التفاوض من حيث المبدأ، وإنما يخشى أن يكون لبنان قد دخل التفاوض من موقع الضعف، وأن يتحول "الإطار" من وسيلة لإنهاء الحرب والاحتلال إلى وسيلة لإعادة ترتيب الداخل اللبناني وفق شروط أمنية تضعها إسرائيل والولايات المتحدة.
بالنسبة إليه، لا يمكن أن يكون الانسحاب الإسرائيلي مجرد نتيجة لاحقة لتنفيذ لبنان التزاماته. فالاتفاق، بحسب القراءة التي يقدمها منتقدوه، يتحدث عن إعادة انتشار إسرائيلي تدريجي، من دون تحديد جدول زمني واضح ونهائي للانسحاب. وهذا ما يعتبره جنبلاط خللاً أساسياً، لأن القاعدة التي يفترض أن تحكم أي تفاوض هي أن إنهاء الاحتلال يجب أن يكون بنداً واضحاً وليس ورقة تفاوض مفتوحة.
ولذلك أعاد جنبلاط التذكير باتفاقية الهدنة لعام 1949، معتبراً أن تغييبها عن "اتفاق الإطار" أمر لافت، فيما يرى أنها تشكل مرجعية قانونية أكثر وضوحاً للعلاقة بين لبنان وإسرائيل.
المسألة الأكثر حساسية في القراءة الجنبلاطية لهذا الاتفاق هي ربط الانسحاب الإسرائيلي بمدى نجاح الدولة اللبنانية في معالجة ملف السلاح غير الشرعي.
هنا يشعر جنبلاط بأن المعادلة تنقلب. فبدلاً من أن يكون الاحتلال هو المشكلة التي ينبغي إنهاؤها أولاً، يصبح سلاح " حزب الله " هو المدخل الذي يحدد توقيت الانسحاب الإسرائيلي. وهذا، في نظره، يعني نقل مركز المشكلة من الحدود إلى الداخل اللبناني.
فإذا لم تنجح الدولة في تنفيذ ما هو مطلوب منها أمنياً، تستطيع إسرائيل، وفق هذه القراءة، أن تقول إن شروط الانسحاب لم تتحقق بعد. وبذلك يصبح الاحتلال ورقة ضغط على الدولة اللبنانية، بدلاً من أن يكون خرقاً يفترض أن ينتهي وفق مرجعيات القانون الدولي.
قد يبدو للوهلة الأولى أن جنبلاط و"حزب الله" والرئيس نبيه بري يقفون في الخندق نفسه في مواجهة "اتفاق الإطار". لكن هذا التشابه لا يعني تطابقاً في الدوافع.
فـ "حزب الله" يرفض أساساً ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاحه، بينما وصف بري الاتفاق بأنه إملاءات ورفض أن يمر بصيغته الحالية. أما جنبلاط، فيضع اعتراضه ضمن عنوان أوسع هو السيادة اللبنانية ومرجعية القانون الدولي وطبيعة العلاقة المستقبلية بين لبنان وإسرائيل.
والدليل الأوضح أن جنبلاط نفسه لم يعلن انضمامه إلى ائتلاف لإسقاط الاتفاق، بل قال إنه مستعد لمساعدة الدولة في حال قررت إعادة النظر فيه. بمعنى آخر، هو يريد تعديل المسار، لا بالضرورة نسف المسار. وربما هنا تكمن أخطر نقطة في موقف جنبلاط.
فهو يرى أن الاتفاق لا يكتفي بتنظيم العلاقة العسكرية على الحدود، وإنما يدخل، بصورة أو بأخرى، في تفاصيل تتعلق بموازين القوى داخل لبنان.
وإذا أصبح الانسحاب الإسرائيلي مرتبطاً بنزع سلاح "حزب الله" وبمدى قدرة الدولة على فرض حصرية السلاح، فإن المفاوضات مع إسرائيل تتحول حكماً إلى عامل ضغط على التوازنات الداخلية اللبنانية. وهذا من شأنه أن يضع الدولة أمام معادلة شديدة التعقيد: إما أن تنفذ الشروط المطلوبة داخلياً، وإما أن يبقى الاحتلال الإسرائيلي قائماً. من هنا يمكن فهم إصرار جنبلاط على إعادة النظر في الاتفاق، بدلاً من التعامل معه كأمر واقع لا يمكن تعديله.
في المقابل لا يخفي جنبلاط أيضاً قلقه من حجم الدور الأميركي في الاتفاق وآلية تنفيذه. فإذا كانت واشنطن هي الراعي والوسيط والضامن والمشرف على التنفيذ في الوقت نفسه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين تكون مساحة القرار اللبناني المستقل؟ وهنا يعود هاجس جنبلاط التاريخي، إذ أنه لا يريد أن ينتقل لبنان من وصاية إلى وصاية، ومن قرار خارجي إلى قرار خارجي آخر.
فالسيادة، بالنسبة إليه، لا تعني فقط إخراج القوات الاسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وإنما تعني أيضاً أن تكون الدولة قادرة على اتخاذ قراراتها من دون أن تتحول المساعدات أو إعادة الإعمار أو الملف الأمني إلى أدوات ضغط عليها.
أمّا لماذا اتفاق الهدنة مهم بالنسبة إلى جنبلاط؟ فلأنه، بحسب رؤيته يضع العلاقة اللبنانية – الإسرائيلية ضمن إطار دولي واضح، فيما يخشى جنبلاط أن يؤدي "اتفاق الإطار" إلى خلق منظومة جديدة تجعل الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً بجملة من الالتزامات اللبنانية. لذلك يبدو أنه يريد إعادة تثبيت المعادلة التالية: لبنان يلتزم بما عليه، لكن يجب على إسرائيل أيضاً أن تلتزم بما عليها. لا أن تكون الالتزامات اللبنانية فورية وقابلة للقياس، بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي مؤجلاً ومشروطاً.
فجنبلاط الذي كان وما زال من أشد المعترضين على أن يكون قرار الحرب والسلم خارج الدولة، لا يريد في المقابل أن تستعيد الدولة قرارها من الداخل لكي تسلمه، في المفاوضات، إلى الخارج.
ومن هنا يبدو أن معركته الأساسية ليست مع "اتفاق الإطار" كعنوان، بل مع الفلسفة التي يمكن أن يقوم عليها هذا الاتفاق.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا