دخل مسار التفاهم بين دمشق و" قسد " مرحلة متقدمة تتعلق بكيفية ترجمة التسوية سياسيًا وعسكريًا وإداريًا، بعد إعلان مظلوم عبدي من دمشق حلّ "قسد"، وهو ما يعد مؤشرًا إلى انتقال المفاوضات من البحث في مستقبل العلاقة بين قوتين متمايزتين إلى البحث في كيفية إنهاء هذا التمايز وإدماج مكوناته داخل مؤسسات الدولة السورية.
المفاوضات الأخيرة التي خاضها وفد "قسد"، برئاسة عبدي وبمشاركة قيادات عسكرية وفريق تقني ومستشارين، تناولت ملفات كانت مؤجلة طوال المرحلة الماضية نظرًا لحساسيتها، من اللغة الكردية إلى شكل الإدارة في الحسكة ، وصولاً إلى مصير القوات والتشكيلات التي لم تدخل ضمن الألوية الأربعة المطروحة للدمج. وهذا يعني أن الفريقين تجاوزا مرحلة الاتفاق على مبدأ الدمج ، ليدخلا في البحث في كيفية الدمج، وتحت أي قيادة، إلى جانب أسئلة حول شكل الإدارة المحلية وكيف ستُحفظ الخصوصية الكردية من دون أن تبقى خارج إطار الدولة السورية.
هنا تكمن أهمية المرحلة الحالية. فالدمج العسكري يُعتبر عملية معقدة تتطلب إعادة فرز آلاف العناصر، وتحديد الرتب والمهام، وإعادة توزيع الوحدات، وضبط الانتشار، وتحديد التسلسل القيادي. ولذلك، فإن حضور الفريق التقني في الوفد يعكس انتقال المفاوضات إلى المستوى التنفيذي، حيث يتم وضع التصور النهائي لشكل المرحلة المقبلة والتسوية التي ستتحقق.
لكن البعد الأهم في التطورات الأخيرة يتعلق بمستقبل القيادة السياسية والعسكرية الكردية نفسها. فبحسب المعطيات، هناك عدة أفكار مطروحة، منها بحث إصدار مراسيم رئاسية تقضي بتعيين مظلوم عبدي مستشارًا في الرئاسة، إلى جانب إلهام أحمد في منصب رفيع داخل الحكومة السورية. فعبدي، الذي قاد لسنوات القوة العسكرية الأكثر نفوذًا في شمال شرقي سوريا ، قد ينتقل من موقع قائد قوة تفاوض الدولة من خارج مؤسساتها إلى موقع رسمي داخل مؤسسة الرئاسة. وهذا يعني أن انتهاء "قسد" كقوة عسكرية مستقلة لن يؤدي إلى خروجها من المشهد، بل سيكون مدخلًا لمشاركتها فيه ورسمه.
ومن زاوية دمشق، تبدو هذه الصيغة مربحة، حيث يتم إنهاء البنية العسكرية المستقلة وإنهاء المؤسسات الموازية للدولة، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع البيئة الكردية واستيعاب بعض أبرز شخصياتها داخل النظام السياسي الجديد. أما بالنسبة إلى عبدي، فإن الانتقال إلى موقع استشاري في الرئاسة قد يوفر مخرجًا يحافظ من خلاله على حضوره السياسي بعد انتهاء دوره العسكري، ويحوّل العلاقة مع دمشق إلى علاقة عمل ومشاركة. والأمر نفسه ينطبق على إلهام أحمد، التي لعبت خلال السنوات الماضية دورًا محوريًا في إدارة العلاقات السياسية والدبلوماسية للإدارة الذاتية، ولا سيما مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، حيث يمكن قراءة إدخالها إلى الحكومة السورية، في حال تثبيت التعيين، كدليل على أن التسوية تسير كما ينبغي من خلال استيعاب الشخصيات البارزة في الدولة.
بحسب مصادر متابعة، فالمطروح اليوم لن يلغي الحضور الكردي بل سيدمجه، خصوصًا بعدما تراجعت قدرة "قسد" على الاستمرار بالوضع الراهن في ظل الضغط الأميركي. فأميركا أرادتها منفصلة عندما لم تكن تسيطر على الدولة، وتريد "قسد" جزءًا من الدولة الجديدة بعد السيطرة عليها، خصوصًا أن الولايات المتّحدة تسعى، بعد السيطرة على الدول، إلى إدارتها وفق رؤيتها السياسية والاقتصادية، وهو ما يتعارض مع النظرة الإسرائيلية التي تنادي بتقسيم المنطقة ولو أدى ذلك إلى استمرار حال الحروب.
التحدي الأساسي اليوم هو ما الذي سيبقى من "قسد" بعد عملية الدمج، إن نجحت، خصوصًا في ظل وجود عقد كبيرة، أبرزها مصير القوات التي لم تدخل ضمن الألوية الأربعة، وشكل القيادة العسكرية الجديدة، وحدود الصلاحيات المحلية في مناطق النفوذ، والأهم على الإطلاق هو ضمانات تنفيذ الاتفاق على الأرض. فهل تكون هذه بداية النهاية أم بداية جديدة لـ"قسد" ولكن بشكل مختلف؟
المصدر:
النشرة