لا تقتصر الأضرار التي خلفتها العمليات الإسرائيلية في لبنان على المنازل والطرقات. فالتقييمات الرسمية تكشف مساراً آخر يبدأ باحتراق الغابات والحقول، ويمتد إلى تلوث التربة والمياه والهواء، بما يجعل الخسائر مستمرة حتى بعد توقف القصف.
ولعل الكلام الاخير لوزيرة البيئة تمارا الزين خير دليل على ذلك، إذ كشفت عن احتراق منذ تشرين الأول 2023 أكثر من 16 ألف هكتار من الأراضي
اللبنانية . وتشمل الأضرار غابات وأحراجاً وأراضي زراعية في الجنوب والبقاع، ما أدى إلى خسارة محاصيل وأشجار ومراعٍ، وتضرر مصدر دخل آلاف العائلات.
لكن المساحة المحترقة لا تمثل كامل الخسائر الزراعية. فقد قدّرت
وزارة الزراعة أن نحو 54 ألف هكتار، أي قرابة 22.5 في المئة من الأراضي الزراعية في لبنان، تأثرت بالحرب بدرجات مختلفة. كما تضررت أكثر من 10 آلاف مزرعة، فيما توقف 78 في المئة من مزارعي الجنوب عن العمل بسبب النزوح وتعذر الوصول إلى أراضيهم. وسُجل أيضاً تراجع بنحو 49 في المئة في عدد خلايا النحل و39 في المئة في إنتاج الأسماك.
الأضرار لم تتوقف عند سطح الأرض. فقد أظهرت تحاليل وزارة البيئة وجود نسب من
المعادن الثقيلة في تربة عدد من قرى الجنوب والبقاع، بما يستدعي إعادة تأهيل بيئي. وهذه المواد قد تبقى في التربة بعد إزالة الركام، وتؤثر في خصوبتها وإمكان استخدامها مجدداً للزراعة.
وفي شباط 2026، اتهمت السلطات اللبنانية
إسرائيل برش مبيد "الغليفوسات" بواسطة طائرات فوق قرى حدودية. وأظهرت العينات أن تركيز المبيد تجاوز المعدلات المعتادة بما بين 20 و30 مرة، فيما قدّرت وزارة البيئة المساحة المتأثرة بأكثر من ألفي هكتار. والمبيد غير انتقائي، أي إنه يقضي على النباتات الموجودة في المنطقة من دون تمييز، مع أضرار محتملة على التربة والمياه والمحاصيل.
إلا أنّ اللافت في هذه النقطة هو ان هذه الأرقام تطرح أسئلة لم تُجب عنها الدولة علناً حتى الآن. ففي 22 نيسان 2026، أطلقت وزارة البيئة والمجلس الوطني للبحوث العلمية دراسة عن الأثر البيئي للاعتداءات خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2025، وشملت الغابات والأراضي الزراعية والتربة والمياه والهواء. غير أن رش "الغليفوسات" حصل في شباط 2026، فيما استمرت الحرائق والضربات بعد إعداد الدراسة، ما يجعل نشر تحديث مفصل للنتائج ضرورة.
ووصل الأثر البيئي إلى المناطق السكنية المكتظة. فالزين كشفت أن تلوث الهواء في الضاحية الجنوبية وبعض المناطق التي تعرضت للقصف بلغ أربعة أضعاف الحد
الأقصى الذي تسمح به
منظمة الصحة العالمية ، نتيجة الغبار والركام والمواد المنبعثة من الانفجارات والحرائق.
وهكذا، تتجاوز الخسائر عدد الهكتارات المحترقة. فلبنان يواجه أراضي متضررة، وإنتاجاً زراعياً متراجعاً، ومصادر مياه وتربة تحتاج إلى مراقبة، وهواءً ملوثاً في مناطق يسكنها مئات الآلاف.