آخر الأخبار

واشنطن تُدخل حزب الله رسميًا في حربها على إيران: من استهداف السلاح إلى استهداف وجود الحزب

شارك

شكّل القرار الأميركي الجديد بإعادة تصنيف حزب الله على أساس أنّه يعمل «لصالح النظام الإيراني وتحت قيادة الحرس الثوري – فيلق القدس »، تطورًا يتجاوز، في دلالاته، مجرّد إضافة عقوبات جديدة إلى قائمة طويلة من العقوبات الأميركية المفروضة على الحزب منذ سنوات.

فالجديد هو أنّ وزارة الخزانة الأميركية أعادت توصيف الحزب بصورة تربطه مباشرة بالبنية الإيرانية، مؤكدة أنّ نشاطه لا يُفهم، وفق الرواية الأميركية الجديدة، باعتباره نشاطًا مستقلًا لكيان لبنان ي، بل باعتباره جزءًا من منظومة تعمل لحساب إيران، وهو ما يحمل في طيّاته معاني وتداعيات واسعة.

وتكمن أهمية الخطوة تحديدًا في هذا الانتقال من مجرّد تصنيف التنظيم إلى إعادة تعريف وظيفته ودوره بالكامل. إذ تقول الولايات المتحدة ، عمليًا، إنّ المشكلة لا تقتصر على تلقّي حزب الله دعمًا من إيران، وهو أمر معروف في السياسة الأميركية منذ عقود، بل تتمثّل في أنّ العلاقة بينهما هي علاقة قيادة وتشغيل وتكامل، وخصوصًا مع فيلق القدس.

وبذلك، تحاول واشنطن تثبيت توصيف سياسي وأمني جديد للحزب، بوصفه جزءًا من شبكة النفوذ الإيرانية التي تخوض، عبر أذرعها الإقليمية، مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها. أي إنّها أدخلته رسميًا في إطار الحرب التي تخوضها ضد إيران، بما يعني ربط الملفين اللبناني والإيراني بعضهما ببعض على نحو وثيق.

ويأتي ذلك في لحظة تصعيد أميركي واسع ضد إيران، بعدما أعلنت واشنطن نيتها فرض ما وصفته بأنّه «أقسى عقوبات في التاريخ» على طهران . وهنا تبدأ، بالنسبة إلى لبنان، مرحلة جديدة. فإذا كان التعامل الأميركي السابق مع حزب الله يقوم على تجفيف مصادر تمويله واستهداف قياداته وشبكاته ومؤسساته، فإنّ إعادة ربطه رسميًا بالحرس الثوري تعني أنّ واشنطن باتت تنظر إلى ملف الحزب باعتباره جزءًا من ملف إيران نفسه.

وقد يجعل هذا الأمر أي علاقة مالية أو لوجستية أو سياسية مرتبطة بالحزب أكثر عرضة للتدقيق والعقوبات، كما يزيد الضغط على المصارف والشركات والأفراد والدول التي يمكن أن تشكّل قنوات دعم أو تمويل له. وقد رافق القرار الجديد، بالفعل، فرض عقوبات على شبكة اتهمتها واشنطن بتهريب مئات ملايين الدولارات لمصلحة الحزب عبر شركات صرافة وشركات واجهة ومسارات مالية في إيران و تركيا و الإمارات ولبنان.

لكنّ التداعيات الأهم لن تكون مالية فقط، ولا سيما داخل لبنان، لأنّ هذا القرار يضع الدولة أمام سؤال خطير: هل تتعامل الولايات المتحدة مع حزب الله باعتباره مكوّنًا لبنانيًا له مشروع سياسي وعسكري مستقل، أم باعتباره امتدادًا إيرانيًا داخل لبنان؟

وهذا يعني أنّ النقاش حول سلاح الحزب لن يبقى، من وجهة النظر الأميركية، محصورًا في كيفية دمجه ضمن الدولة اللبنانية أو في مستقبل استراتيجية الدفاع الوطني، بل قد يتحوّل بصورة متزايدة إلى جزء من استراتيجية الضغط على إيران نفسها.

ويحمل هذا المسار أيضًا خطرًا داخليًا على لبنان. فكلّما ازدادت محاولة واشنطن تثبيت صورة حزب الله بوصفه ذراعًا إيرانية، ازدادت حدّة المواجهة حول تعريف الحزب ودوره داخل لبنان. إذ سيجد خصومه في القرار الأميركي دليلًا إضافيًا على أنّ سلاحه مرتبط بمشروع إيراني يتجاوز الدولة، بينما سيعتبر الحزب وجمهوره أنّ واشنطن تحاول إلغاء البعد اللبناني للصراع وإدخاله بالكامل في إطار المواجهة مع طهران، وصولًا إلى استهداف وجود حزب الله نفسه.

ومن هذا المنطلق، قد يرى الحزب أنّ الهدف الأميركي لم يعد يقتصر على كيفية التعامل مع سلاحه، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إلغاء وجوده بالكامل، بما يشمل مؤسساته السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية. وبالتالي، لم تعد المشكلة، وفق هذا المنطق، مرتبطة بكيفية التعامل مع سلاح الحزب فحسب، بل بوجود الحزب نفسه وموقعه داخل الدولة.

وإذا نجحت واشنطن في فرض معادلة مفادها أنّ حزب الله يعمل تحت قيادة الحرس الثوري، فإنّ أي علاقة لبنانية رسمية أو مالية أو سياسية بالحزب ستصبح أكثر حساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وقد تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام ضغوط متزايدة للفصل بين لبنان كدولة وبين حزب الله، وهو ما قد ينعكس على المفاوضات والاتصالات الدولية، والدعم المالي والاقتصادي للبنان، وقدرة الحكومة اللبنانية على المناورة بين واشنطن وطهران.

لكن من الخطأ أيضًا افتراض أنّ القرار الأميركي سيؤدي تلقائيًا إلى نزع سلاح الحزب. فالعقوبات تستطيع أن تضرب مصادر التمويل والشبكات الاقتصادية وتزيد كلفة الحركة، لكنها لا تحسم، بمفردها، قضية سلاح ترتبط بعوامل سياسية وشعبية وأمنية وجغرافية لبنانية.

بل إنّ الضغط الخارجي الشديد قد يدفع الحزب إلى مزيد من التشدد، وربما إلى مزيد من التصعيد، بما قد يفتح الباب أمام انفجار سياسي أو أمني، بدل أن يقود تلقائيًا إلى النتيجة التي تسعى إليها واشنطن.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا