يدفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتجاه استراتيجية جديدة في مواجهة إيران ، تقوم على تكثيف الضغوط الاقتصادية ومحاصرة مصادر تمويل طهران، في محاولة لإجبارها على تقديم تنازلات بعد نحو ستة أشهر من الحرب، في وقت لم تنجح فيه الضغوط العسكرية في دفع القيادة الإيرانية إلى تغيير حساباتها.
وأعلن
ترامب عزمه تنفيذ ما وصفه بأنه "أكثر عملية اقتصادية سحقاً على الإطلاق ضد أي دولة"، مهدداً باتخاذ إجراءات صارمة ضد الدول والمؤسسات التي تقدم دعماً مالياً أو تجارياً لإيران، وذلك بعد توقف المحادثات بين
واشنطن وطهران، وفق "سي إن إن".
وتتركز الخطة الأميركية على تشديد الخناق على قنوات الالتفاف على العقوبات، بما يشمل تهريب النفط وشبكات المقايضة وتحويل الأموال ومكاتب الصرافة وسجلات السفن والشركات الوهمية. كما لوح ترامب باستهداف أي دولة تسمح لبنوكها أو شركاتها أو مؤسساتها بتقديم دعم مالي لطهران.
لكن تنفيذ حصار اقتصادي واسع يواجه عقبات كبيرة، إذ بنت إيران خلال عقود شبكة من القنوات المالية والتجارية تمتد من آسيا إلى
الشرق الأوسط وأوروبا، ما يجعل إغلاقها بحاجة إلى تعاون دولي يتجاوز العقوبات الأميركية التقليدية.
وفي هذا السياق، حذر المسؤول السابق في الاستخبارات الدفاعية
الإسرائيلية دانيال سيترينوفيتش من الرهان على انهيار إيران تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، معتبراً أن العقوبات قد تلحق أضراراً كبيرة باقتصادها، لكنها لا تعني بالضرورة تغيير حسابات قيادتها السياسية والاستراتيجية.
بدوره، يرى الباحث في معهد هدسون لودوفيك هود أن واشنطن تستطيع زيادة الضغط عبر استهداف مصادر إيرادات الحرس الثوري وشبكاته الإقليمية، وتعزيز التعاون مع حكومات في العراق ولبنان، إلى جانب الضغط على الصين باعتبارها من أبرز مشتري النفط
الإيراني .
وهنا تبرز معضلة إضافية أمام
البيت الأبيض ، إذ إن استهداف المؤسسات المالية الصينية المرتبطة بشراء النفط الإيراني قد يكون من أكثر الأدوات تأثيراً، لكنه يأتي في وقت يستعد فيه ترامب لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ في زيارة دولة مقررة في أيلول، ما قد يعقد مساعي تحسين العلاقات بين واشنطن وبكين.
في المقابل، لا تبدو طهران بلا أوراق. فإيران تدرك الضغوط السياسية التي يواجهها ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، كما يبقى مضيق هرمز إحدى أبرز أدوات الضغط التي تملكها، إذ يمكن لأي اضطراب في الملاحة أو استهداف للسفن أن ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة والنقل.
وبذلك، يواجه ترامب معادلة دقيقة: الرد على أي تصعيد إيراني قد يعيد توسيع المواجهة العسكرية ويرفع كلفتها، فيما قد يُفسر عدم الرد على أنه تراجع أمام طهران. كذلك، يمكن للحرب الاقتصادية نفسها أن تتحول إلى عبء داخلي إذا انعكست على أسعار الوقود والسلع في
الولايات المتحدة .
وحذر النائب الديمقراطي جيمس والكنشو من أن
الأميركيين قد يجدون أنفسهم أمام حرب استنزاف مع إيران "يدفع الشعب الأميركي الثمن" فيها في محطات الوقود ومتاجر البقالة.
وعليه، تبدو استراتيجية ترامب الجديدة محاولة لنقل مركز الثقل في المواجهة من القوة العسكرية إلى حرب اقتصادية طويلة الأمد. إلا أن نجاحها سيبقى مرتبطاً بثلاثة عوامل أساسية: قدرة واشنطن على حشد حلفائها وإغلاق منافذ التمويل الإيراني، ومدى استعداد ترامب لتحمل التداعيات الاقتصادية والسياسية داخلياً، وقدرة طهران على الصمود واستخدام أوراقها المضادة من دون دفع المواجهة مجدداً نحو حرب أوسع.