يقف الناشط السياسي المخضرم عز الدين الحزقي وسط المحتجين في الشارع رافعاً علامة النصر، لكن خلف ابتسامته التي تلتقطها كاميرات الهواتف الخلوية، كانت قصته تصدح بمعاناة مضاعفة. فقبل أسابيع قليلة من آخر ظهور علني له في مسيرة للمجتمع المدني يوم 25 يوليو/تموز تطالب بالحريات وتحتج ضد الوضع الاقتصادي وتدني الخدمات العامة، كانت نتائج فحوصات طبية قد كشفت عن إصابته بمرض السرطان ليبدأ بعدها رحلة علاج معقدة تحتاج إلى كثير من الصبر والقوة.
ويبرز التحدي الأكبر أمام الحزقي البالغ من العمر 82 عاماً اليوم، في مدى قدرته على التماسك معنوياً وجسدياً، بسبب محنته المزدوجة. فمن جهة لا أخبار عن ابنه القيادي المعارض في "جبهة الخلاص الوطني" جوهر بن مبارك القابع في السجن منذ 2023 بتهمة التآمر على أمن الدولة، بانتظام. ومن جهة أخرى لم تعد ابنته المحامية والناشطة دليلة مصدق بن مبارك إلى جواره بعدما اضطرت إلى اللجوء للمنفى في فرنسا بسبب مخاوفها من الزج بها في السجن.
ولا تعد دليلة مصدق حالة استثنائية، فعلى الرغم من تصنيف تونس رسمياً من قبل الاتحاد الأوروبي من بين الجهات الآمنة التي يصعب قبول طلبات اللجوء من رعاياها، إلا أن موجة المغادرة تضاعفت في صفوف المعارضة وقادة الرأي والنشطاء والصحفيين، بسبب ما يصفونه من قيود على حرية التعبير ومخاطر الإيقاف من قبل الأجهزة الأمنية والاعتقال في أي لحظة.
وعندما التقت DW عربية الحزقي كان مشتتاً بين مشاعر مختلطة لأنه لم يستطع، بسبب متاعبه الصحية، زيارة ابنه جوهر الذي دخل أكثر من مرة في إضرابات متواترة عن الطعام، بعدما عمدت السلطات إلى نقله لأكثر من سجن بعيداً عن العاصمة. كما لا يملك سوى هاتفه الخلوي للتواصل مع ابنته بفضل التطبيقات المتاحة. وكان آخر ما تلقاه من ابنه هو شكواه من موجة الحر الشديدة التي اجتاحت البلاد في يوليو/تموز الماضي وفاقمت من ظروف اعتقال السجناء الصعبة.
وبنبرة لا تخلو من الصلابة تحدث الحزقي إلى DW عربية قائلاً: "ابني في السجن وابنتي في المنفى.. أفهم معنى السجن لكن ليس هناك خيار آخر. منذ 60 عاماً وأنا أناضل .. وهذا جزء من النضال".
كان الحزقي من بين أول السياسيين الذين التقتهم DW عربية قبل سنوات خلال إضراب عن الطعام نفذه سياسيون من المعارضة، احتجاجاً على إعلان الرئيس قيس سعيد قراراته في 25 يوليو/تموز 2021 التي مهدت لإرساء نظام حكم جديد بصلاحيات معززة لرئيس الدولة، وهي خطوة يقول سعيد إنها ضرورية للتصدي للفوضى والفساد ومخاطر تفكك أجهزة الدولة بينما يصفها خصومه بـ"الانقلاب".
ورغم محنته المضاعفة لا يخفي المناضل المخضرم اليوم ارتياحه بالتحول الذي تشهده الشوارع من حالة "التململ إلى الغضب" كما يقول، بعد مرور خمس سنوات على قرارات 25 يوليو/تموز. ويعلق على ذلك: "هناك فهم واسع بأن البلد في حالة تفكك، فما كنت أنادي به من قبل بات الجيل الجديد اليوم يردده وهذا يعني أن العملية الانتقالية قد تحققت. وهذا يبعث برسالة الى الجيل المقبل، أما أنا فالمستقبل تركته خلفي. اليوم أدركت ان نضالي لم يذهب سدى".
لكن بينما يعلق عز الدين الحزقي وباقي السياسيين المخضرمين الآمال الكبرى على صعود جيل جديد من الشباب، تأتي موجة المغادرة لتكشف عن ضيق الآفاق في بلد يشهد أصلاً هجرة مكثفة للكوادر وخريجي الجامعات ، تقدر بحوالي 30 ألف شخص سنوياً وفق المرصد الوطني للهجرة، بجانب الهجرات غير النظامية عبر البحر.
وبحسب الخبير في قضايا الهجرة واللجوء، رمضان بن عمر، بدأت بالفعل طلبات اللجوء من الخصوم المباشرين للرئيس قيس سعيد بعد قرارات 25 يوليو/تموز 2021. ثم توسعت لتشمل صحافيين ونشطاء مجتمع مدني وسياسيين وحتى مواطنين عاديين بسبب الوضع الذي باتت عليه تونس بعد 2021.
وتروي المحامية والناشطة الحقوقية دليلة مصدق، نجلة الناشط عز الدين الحزقي، عن اختيارها المنفى لـDW عربية: "المنفى هو الحل الأخير عندما يصبح الإنسان مخيراً بين السجن أو ترك البلاد. أحياناً قد تختار البقاء وخوض تجربة السجن لكن يبقى ذلك رهين الوضع العائلي والاستعداد الذهني لكل فرد مع العلم وأن المنفى قاسي جداً نفسياً واجتماعياً". ومع ذلك تعتبر المحامية أن من وراء تجربة المنفى فوائد تتيح النقد بوضوح ودون خوف والكشف عن وضعية المعتقلين السياسيين للرأي العام الدولي، الأمر الذي يشكل أحد وسائل الضغط، وفق تقديرها.
ويوضح أيضا السياسي المعارض رياض الشعيبي القيادي السابق بحزب حركة النهضة الإسلامية، والذي اختار بدوره مغادرة تونس، أن هناك ما يبرر اختيار المنفى "في ظل انحسار الحريات وتوسع دائرة الانتهاكات ضد المعارضين ما يجعل الخيارات ضيقة بين الاستسلام للسجن أو مغادرة البلاد". ويضيف الشعيبي في تعليقه لـDW عربية: "طبعاً المغادرة الاضطرارية ليست هجرة تقليدية؛ هي بحث عن الحماية والأمان المفقودان في تونس للأسف. ومثلما أصبحت السجون التونسية تعج بمئات المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، فإنه قد التحق بالمهجر أيضا عشرات المنفيين السياسيين، الذين يحدثون أنفسهم بالعودة كل يوم، وبمجرد زوال أسباب نفيهم".
لا توجد إحصاءات دقيقة وحديثة عن أعداد المغادرين لتونس طلباً للجوء. لكن تكشف وسائل الإعلام ومنصات السوشيال ميديا، بشكل منتظم عن رحيل عدد مهم من الفاعلين في الدوائر السياسية والنقابية ومن قطاعي الإعلام والثقافة بشكل خاص.
وتتضارب هذه الموجة مع صدور تصنيف أوروبي نهائي "للوجهات الآمنة" قبل أشهر يشمل تونس من بين دول أخرى، كان أقره مجلس الاتحاد الأوروبي في شباط/فبراير 2026.
ويقول الخبير رمضان بن عمر لـDW عربية إن "عملية التصنيف تعيد إلى الأذهان تصنيفات مشابهة في الماضي، مثل تلك التي شملت نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي أو حتى نظام الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي" وهي في تقديره، تصنيفات تستند إلى أولويات أخرى ترتبط بتأمين الحدود ضد تدفقات الهجرة وليس إلى وجود فعلي لدولة القانون والمؤسسات على الأرض.
وعملياً يضع هذا التصنيف، فضلاً عن مقتضيات ميثاق اللجوء والهجرة الأوروبي الجديد الذي بدأ سريانه في حزيران/يونيو 2026، الكثير من طالبي اللجوء التونسيين في مفترق طرق في دول الاتحاد، حيث يتعين عليهم تقديم اثباتات لا غبار عليها بشأن تعرضهم لانتهاكات.
ويكشف تحقيق استقصائي أجراه موقع "المفكرة القانونية" في تونس أن نسبة قبول طلبات لجوء التونسيين لم تتعد 4% في عام 2024، من بين أكثر من 14 ألف مطلب.
ويرجع السياسي المعارض في المنفى رضا الشعيبي في حديثه لـDW عربية، تلك القيود إلى ما يسميه "بحسابات السياسة الداخلية الأوروبية التي تحول دون الاقرار بحقيقة الوضع الخطير في تونس والمهدد لأبسط حقوق الانسان".
ويصف بن رمضان الصورة المتناقضة خلف طلبات لجوء التونسيين بدول الاتحاد الأوروبي وتصنيف "الوجهات الآمنة"، بأنه جزء من "صفقة سياسية" مستمرة بين النظام في تونس والمؤسسات الأوروبية في بروكسل (الاتحاد الأوروبي).
المصدر:
DW