آخر الأخبار

شكل الدولة السورية... سرّ الصراع الإسرائيلي–التركي

شارك

لم تعد سوريا مجرد ساحة صراع بين قوى تتنافس على النفوذ داخلها، بل أصبحت مسرحًا لتسابق محتدم حول تحديد ملامح الدولة الجديدة بعد سقوط نظام الأسد: من يعيد بناء مؤسساتها، ومن يحدد طبيعة جيشها، ومن يرسم حدود قوتها، ومن يكفل أمنها؟ من هذه الزاوية، يمكن قراءة التوتر التركي–ال إسرائيل ي الأخير.

الواقع أن دمشق ، رغم امتلاكها حكومة ومؤسسات واعترافًا دوليًا، لا تزال بعيدة عن احتكار القوة. فالجيش ما زال في طور التشكيل، والسلاح موزع بين تشكيلات متعددة، ولم ينجح بعد دمج الجماعات المسلحة ضمن مؤسسة عسكرية متماسكة. ويضاف إلى ذلك أن إسرائيل، منذ سقوط النظام السابق، ألحقت أضرارًا واسعة بالبنية العسكرية السورية، ما خلّف فراغًا استراتيجيًا لا تملك دمشق وحدها القدرة على تعويضه. لذلك، "تحمّست" تركيا ودخلت على الخط، خصوصًا بعد التراجع الملحوظ والمهم للدور الإيراني. وهكذا، انتقلت سوريا من مرحلة تنافس إيراني–تركي على النفوذ إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتنافس فيها أنقرة وتل أبيب على اتجاه إعادة بناء الدولة نفسها.

لا تحتاج أنقرة إلى احتلال سوريا أو فرض وصاية مباشرة عليها كي تصبح القوة الخارجية الأكثر تأثيرًا فيها، بل يكفي أن تكون الشريك الأساسي في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، عبر التدريب والتسليح ونقل الخبرة وتوفير القدرات التقنية، بالتوازي مع علاقاتها الوثيقة بالسلطة في دمشق. وبذلك، يصبح النفوذ التركي مرتبطًا بعملية بناء الدولة نفسها، لا بمجرد انتشار عسكري موقت. وهذا تحديدًا ما يجعل تركيا مختلفة في الحساب الإسرائيلي عن أي قوة خارجية أخرى. فالمسألة لا تتعلق بعدد الجنود الأتراك الموجودين في سوريا، وإنما باحتمال أن تصبح أنقرة الجهة التي تشرف على تأسيس المؤسسة العسكرية السورية من جديد. وهذا بالتحديد ما تخشاه إسرائيل، التي تفضل، بالطبع، التعامل مع سوريا ضعيفة عسكريًا ومجزأة أمنيًا، مستفيدة من تفوقها الجوي وقدرتها على التدخل. لكنها ستواجه معادلة مختلفة إذا أدت المساعدة التركية إلى قيام جيش سوري يرتبط في تدريبه وتسليحه وتقنياته بتركيا.

من الصعب على أنقرة قبول المنطق الإسرائيلي، لأن الاعتراف بحق إسرائيل في تحديد حدود المساعدة التركية لدمشق يعني عمليًا منحها دورًا في تعريف المجال الأمني للدولة السورية. لذلك، جاء الرد التركي رافضًا للرواية الإسرائيلية، ومؤكدًا استمرار التعاون مع الحكومة السورية . وتزداد حساسية المشهد مع دخول واشنطن على خط الأزمة، إذ كشف المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك أن بلاده تعمل على آلية لتفادي الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا. وهنا تتضح طبيعة الصراع بصورة أكبر. فلا تواجه إسرائيل حكومة سورية جديدة فحسب، بل احتمال ظهور قوة سورية جديدة تتشكل في بيئة تركية. في المقابل، لا تدافع تركيا عن وجودها في سوريا فحسب، بل عن حقها في التأثير على إعادة بناء قدرة الدولة السورية. أما أميركا، فتجد نفسها محرجة أمام هذا الوضع، إذ ترتبط بعلاقات طيبة مع تركيا وبتحالف استراتيجي مع إسرائيل. وفي حين أنها لن تقف إلى جانب تركيا بالمطلق، لا يمكنها أيضًا التخلي عن أنقرة وما تمثله بشكل تام، لأن خسارة تركيا تعني خسارة نفوذ مهم في الشرق الأوسط .

وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة: فالمعركة ليست فقط على حدود انتشار القوات التركية، وإنما على شكل القوة السورية التي ستولد من أنقاض الجيش السابق. فإذا تشكلت هذه القوة تحت رعاية تركية، فإن التنافس بين أنقرة وتل أبيب لن يكون صراعًا على النفوذ داخل سوريا فحسب، بل صراعًا على مستقبل الدولة السورية نفسها، وعلى من يملك حق التأثير في تعريف أمنها وقوتها وحدود سيادتها. وفي جوهر الأمر، فإن الطرف الذي يساهم في بناء المؤسسة العسكرية السورية الجديدة سيملك، بصورة غير مباشرة، نفوذًا كبيرًا في تحديد خيارات دمشق الاستراتيجية لسنوات مقبلة.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا