آخر الأخبار

أرض لبنانية تحترق والإطفاء ينتظر إذن إسرائيل.. من يتحكّم بالدخول إلى المنطقة المحتلة؟

شارك
لم يكن رئيس بلدية كفرشوبا قاسم القادري متجهًا إلى موقع عسكري عندما حاول في 14 آب الوصول إلى أطراف بلدته. كان يريد معاينة الأضرار التي خلفتها حرائق اندلعت خلال الأيام السابقة، لكنه قال إن إطلاق نار إسرائيليًا في اتجاهه ومن كانوا برفقته أجبرهم على العودة. وقبل ذلك، كان الدفاع المدني قد تأخر في الوصول إلى النيران لأن تحركه داخل المناطق القريبة من مواقع القوات الإسرائيلية احتاج إلى إذن، فيما وجد السكان أنفسهم أمام الحريق بوسائل محدودة.
لم تكن كفرشوبا حالة منفردة. ففي ماري، الواقعة بدورها ضمن المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل في العرقوب، واجه الدفاع المدني مشكلة مشابهة عندما اندلع حريق في تموز ، إذ قال رئيس البلدية سلمان أبو العلا إن العناصر لم يتمكنوا من الدخول فورًا بسبب إجراءات الحصول على الموافقة، ثم اقتصر تدخلهم على مساحة محددة تبقيهم بعيدين عن المواقع الإسرائيلية. وبين البلديتين، يصبح الاحتلال أكثر من خط عسكري على خريطة: إنه قدرة على تحديد من يدخل إلى الأرض ومتى وإلى أي نقطة يستطيع الوصول.
المسألة هنا ليست خريطة نفوذ عسكري جديدة، ولا تحديد المنطقة التي يقف فيها هذا الجيش أو ذاك، وإنما وظيفة دولة عادية: من يستطيع الوصول لإطفاء حريق أو تفقد أرض أو إسعاف شخص داخل أراضٍ لبنانية؟ فاتفاق الإطار يفترض أن تنتقل السيطرة تدريجيًا إلى الجيش اللبناني ، لكن هذه العملية قد تطول، فيما تستمر الحياة اليومية قبل اكتمالها. وبين انسحاب تنتظره المفاوضات وحريق لا ينتظر، يظهر سؤال مختلف: كيف تمارس الدولة وظائفها المدنية في أرض ما زالت إسرائيل تتحكم عمليًا بإمكان الوصول إليها؟
حين يحتاج إطفاء الحريق إلى إذن
تكشف طريقة تحرك الدفاع المدني في كفرشوبا حجم المشكلة أكثر مما تكشفه النار نفسها. فبحسب مسؤول الدفاع المدني في المنطقة، ينسق العناصر تحركاتهم مع الجيش اللبناني، الذي ينقل الطلب بدوره إلى مجموعة لفض الاشتباك تضم الجيش الإسرائيلي . وخلال إحدى موجات الحرائق، سمح للعناصر بالعمل في نقطتين فقط، فيما لم يحصلوا على إذن للوصول إلى أماكن أخرى كانت النيران تشتعل فيها.
ولا تتجاوز القوة الدولية هذه المعادلة بسهولة. فقد قالت المتحدثة باسم اليونيفيل كانديس أرديل إن القوة رصدت حرائق في مناطق مختلفة من الجنوب، وإنها تستطيع المساعدة في إخمادها عندما تكون لديها الإمكانات وبناء على طلب السلطات اللبنانية ، لكن بعد التنسيق مع الجيش الإسرائيلي. بذلك تشمل قيود الوصول البلدية والدفاع المدني والقوة الدولية على السواء، وتتحول المسألة من إجراء أمني استثنائي إلى سلسلة كاملة تسبق وظيفة بسيطة يفترض في الظروف العادية ألا تحتاج إلى أكثر من بلاغ واندفاع سيارة إطفاء.
تزداد كلفة هذا التأخير عندما تتحول الدقائق إلى هكتارات محترقة. ففي منتصف آب، قالت وزيرة البيئة تمارا الزين إن أكثر من 16 ألف هكتار من الأراضي اللبنانية أحرقتها العمليات الإسرائيلية منذ تشرين الأول 2023، وشملت الأضرار أراضي زراعية وبساتين زيتون وغابات. وفي يارون وحدها، احترق أكثر من 120 هكتارًا من بساتين الزيتون مطلع آب، بينها أشجار معمرة، بحسب المجلس المحلي.
من يضمن حق الدولة في الوصول؟
الخيام أيضًا حاضرة في هذه الصورة، وإن كانت القصة مختلفة هذه المرة. فالبلدة التي تقع في قلب الخرائط العسكرية والتفاوضية ظهرت هنا من زاوية مدنية بحتة، إذ قال رئيس الدفاع المدني في منطقة النبطية حسين فقيه إن قنابل مضيئة إسرائيلية أشعلت حريقًا في منطقة حرجية قربها، وعندما حاول عناصر الإطفاء التدخل نفذت مسيّرة ضربة بالقرب منهم، ما أجبرهم على الانسحاب.
حتى المناطق التي بدأ فيها تطبيق نموذج الانسحاب تكشف أن انتقال السيطرة ليس خطًا يُمحى من خريطة ويُرسم مكانه آخر. ففي زوطر الغربية، أولى "المناطق التجريبية"، احتاج إنشاء النموذج إلى أسابيع من المفاوضات وأيام من الإجراءات العسكرية، بحسب مسؤول عسكري لبناني تحدث إلى رويترز . وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية من البلدة ودخول الجيش اللبناني، بقيت وحدات إسرائيلية على مسافة مئات الأمتار في منطقة مجاورة، وأطلقت طلقات تحذيرية عندما اعتبرت أن جنودًا لبنانيين انتشروا في مكان قريب أكثر مما ينبغي.
هنا تظهر فجوة لا يملؤها انتظار المرحلة التالية من الاتفاق. فإطار 26 حزيران ينظم انتقالًا تدريجيًا يفترض أن يتسلم خلاله الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية في "مناطق تجريبية" بعد انسحاب القوات الإسرائيلية ونزع السلاح المتحقق منه، لكنه لم يحدد جدولًا زمنيًا نهائيًا للانسحاب، كما بقيت آلية التحقق موضع تفاوض. والوقائع الميدانية الحالية تقول إن الفترة الواقعة بين الاحتلال وانتقال السيطرة ليست فراغًا: فيها سكان وحرائق وأراضٍ زراعية وبلديات ومؤسسات إنقاذ تحتاج إلى العمل كل يوم..
قد تحدد الخرائط أين يقف الجيش الإسرائيلي وأين ينتشر الجيش اللبناني، لكن السيطرة على الأرض تظهر أيضًا في تفاصيل أصغر: من يفتح الطريق، ومن يدخل الحقل، ومن يصل إلى منزل، ومن يستطيع إطفاء نار قبل أن تلتهمه. وبين انسحاب تنتظره المفاوضات وإذن تنتظره سيارة إطفاء، لا يكفي السؤال عن موعد دخول الجيش، بل يصبح من الضروري معرفة ما الذي يضمن قبل ذلك وصول مؤسسات الدولة إلى مواطنيها وأرضها من دون أن يتحول كل تدخل إلى طلب منفصل ومسار تنسيق وانتظار موافقة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا