شكّلت تحويلات المغتربين على مدى سنوات أحد أبرز مصادر العملات الأجنبية التي تدخل إلى لبنان ، إلا أن تعاظم وزنها بعد الأزمة المالية أعاد طرح سؤال يتجاوز حجم الأموال المتدفقة من الخارج: هل أصبحت هذه التحويلات ركيزة يقوم عليها الاقتصاد اللبناني بدلاً من أن تكون عامل دعم لاقتصاد منتج؟ وماذا يمكن أن يحدث إذا تعرضت يومًا للتراجع أو للقيود؟
وتشير مصادر اقتصادية مطلعة لـ"النشرة" إلى أن الاقتصاد اللبناني بات يعتمد بصورة كبيرة على تحويلات المغتربين، لافتة إلى تقديرات تضعها عند نحو 35% من الناتج المحلي. وترى المصادر أن لهذا الواقع وجهًا إيجابيًا، إذ إن الأموال الآتية من الخارج "تمنع الكوارث" وتضع شبكة أمان لعدد كبير من العائلات، لكنها تحذر في المقابل من أن "الاقتصاد لا يمكن أن يقوم على تحويلات المغتربين، بل يجب أن يكون اقتصادًا منتجًا".
وتذهب المصادر أبعد من ذلك في تحذيرها من هشاشة هذا النموذج، معتبرة أن استمرار الوضع على حاله يضع البلاد أمام مستقبل اقتصادي غير واضح، وأن "مجرد فرض قيود على التحويلات قد يؤدي إلى انهيار الوضع بالكامل". وترى أن استقرار لبنان والدولة يبقى أيضًا موضع اهتمام أميركي، ما يجعل الانهيار الاقتصادي الواسع سيناريو غير مرغوب فيه خارجيًا.
لكن الخبير الاقتصادي ميشال فياض يدعو بداية إلى عدم التعامل مع نسبة الـ35% كرقم ثابت. ويوضح أنها تختلف بحسب المصدر والسنة وحجم الناتج المحلي المعتمد في الاحتساب، مشيرًا إلى أن البنك الدولي قدّر التحويلات بنحو 32.7% من الناتج عام 2023، بينما تظهر أرقام 2024 نسبة أدنى، في حين قدّر مصرف لبنان تحويلات المغتربين بنحو 6.8 مليارات دولار عام 2024.
وبغض النظر عن النسبة، يؤكد فياض أن الرسالة الاقتصادية واضحة: تحويلات المغتربين هي إحدى أهم مصادر العملات الأجنبية وركيزة أساسية للتوازن الخارجي. لكنه يشدد على أنها لا تعني أن المغتربين ينتجون 35% من الناتج اللبناني، بل هي مداخيل مصدرها الخارج تدخل الاقتصاد، فيُستهلك جزء منها ويُدّخر أو يُستثمر جزء آخر.
ويشرح أن الاعتماد الحالي هو نتيجة نموذج اقتصادي ترسخ بعد الحرب وقام بدرجة كبيرة على الخدمات والاستهلاك والعقارات والاستيراد والسياحة والودائع وتدفقات رؤوس الأموال، بدلاً من بناء قاعدة إنتاجية قوية في الصناعة والزراعة الحديثة والصادرات والتكنولوجيا. وقد سمحت أموال المغتربين لهذا النموذج بالاستمرار عبر تمويل العائلات والتعليم والصحة والعقارات والاستهلاك.
وبحسب فياض، برز تحول إضافي بعد أزمة 2019، إذ أصبحت التحويلات تُستخدم بصورة أكبر لتغطية الحاجات الأساسية، من الغذاء والإيجارات إلى الكهرباء والصحة، بعدما كان جزء منها يذهب إلى الاستثمار في رأس المال البشري. وهنا يكمن خطر التحول إلى "اقتصاد تحويلات": إذ ينكمش الاقتصاد المنتج فتزداد الهجرة، وتزداد معها التحويلات التي تموّل الاستهلاك بدلاً من خلق فرص العمل والإنتاج.
ويحذر فياض من أن أي تراجع كبير في التحويلات سينعكس سريعًا على استهلاك الأسر والتجارة والخدمات، وسيخفض تدفقات العملات الأجنبية ويضغط على ميزان المدفوعات، فضلًا عن تأثيره على التعليم والصحة والأمان الاجتماعي للعائلات.
أما الحل، فلا يكون بالمسّ بالتحويلات العائلية، بل بإنشاء مسار طوعي ثانٍ يحوّل جزءًا من مدخرات المغتربين إلى استثمارات منتجة، عبر صناديق وسندات للاغتراب وتمويل المؤسسات المصدّرة والاستثمار في التكنولوجيا والطاقة والصناعة وغيرها. إلا أن ذلك، وفق فياض، يتطلب أولًا استعادة الثقة من خلال إصلاح القطاع المصرفي والقضاء والحوكمة وحماية الملكية وتثبيت القواعد المالية.
وهكذا تبدو تحويلات المغتربين سلاحًا ذا حدين: فهي اليوم شبكة أمان أساسية تمنع تفاقم الأزمة، لكن ارتفاع وزنها يكشف في الوقت نفسه ضعف الاقتصاد المحلّي. والتحدي الحقيقي ليس في كيفية جذب المزيد منها، بل في كيفية توجيه جزء منها إلى شركات واستثمارات وفرص عمل وصادرات، بحيث ينتقل لبنان من اقتصاد يعيش على دعم اغترابه إلى اقتصاد ينمو بالشراكة معه.
المصدر:
النشرة