انتهت مهلة الستين يوماً بين
إيران والولايات المتحدة، وسط خروقات متعددة وأجواء لم تحسم حتى الآن ما إذا كانت هذه المهلة ستُمدّد. وعلى الرغم من تداول معلومات غير رسمية، أميركية وإقليمية، عن اتصالات تهدف إلى تمديدها، فإن الموقف الأميركي لا يزال غير واضح في هذا الاتجاه، ولا سيما في ضوء المواقف التي أعلنها الرئيس الأميركي
دونالد ترامب أخيراً.
فترامب قال إن إيران تريد التوصل إلى اتفاق، لكنه في المقابل شدد على أن
الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز من خلال الحصار البحري، مشيراً إلى أن إيران تستطيع زرع بعض الألغام في المضيق، إلا أن الحصار لا يزال فعالاً، وأن المضيق مفتوح وأسعار النفط تواصل الهبوط. واعتبر أن إيران تواجه أزمة حقيقية وأن وضعها الاقتصادي سيئ للغاية، معلناً أنه لا يسعى إلى تمديد مذكرة التفاهم مع طهران.
وبحسب القراءة المتداولة في الأوساط الأميركية، لا تبدو واشنطن في وارد الانتقال، في المرحلة الراهنة، إلى ضربة عسكرية واسعة ضد إيران، بل تفضّل مواصلة سياسة الضغط الاقتصادي واستنزاف القدرات
الإيرانية ، من خلال إبقاء الضغط على حركة الملاحة في مضيق هرمز، من دون الوصول إلى إغلاق كامل للمضيق. وتراهن الإدارة الأميركية، وفق هذه القراءة، على أن استمرار الضغط سيزيد الضغوط الاقتصادية على طهران ويدفعها إلى تقديم تنازلات أكبر.
لكن انتهاء المهلة يفتح الباب أمام مرحلة أكثر حساسية، عنوانها الأساسي كيفية تعاطي إيران مع الضغوط الأميركية. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس مجلس الشورى
الإيراني محمد باقر قاليباف المرتقبة إلى العراق غداً الأربعاء أهمية خاصة، إذ يُتوقع أن يلتقي عدداً من المسؤولين والقيادات العراقية القريبة من طهران، في وقت تحاول فيه إيران الحفاظ على نفوذها في الساحة العراقية.
ولا تقتصر المخاوف على مضيق هرمز. فدخول الحوثيين على خط المواجهة، ولو بوتيرة بطيئة حتى الآن، من خلال التهديد بتقييد الملاحة
السعودية في باب المندب، يطرح احتمال انتقال الضغط من هرمز إلى باب المندب.
مع ذلك، تبدو القراءة الأميركية أكثر تفاؤلاً حيال قدرة واشنطن على احتواء التداعيات الإقليمية، انطلاقاً من اعتقاد بأن إيران بدأت تخسر تدريجياً بعض أوراق نفوذها، وفي مقدمها الورقة العراقية. وفي هذا الإطار، يشير تحديد الحكومة العراقية، برئاسة علي الزيدي، يوم 30 أيلول 2026 موعداً أقصى لإنهاء أي مظاهر مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة، إلى تحول مهم في البيئة العراقية، وإن كانت ترجمة هذا القرار على الأرض لا تزال موضع اختبار.
ومن العراق، تنتقل الأنظار إلى
لبنان ، حيث يُنظر إلى تراجع هامش الحركة الإيراني باعتباره عاملاً مؤثراً في قدرة طهران على التدخل في أي مواجهة مقبلة. وفي هذا السياق تحديداً، تبرز تلة علي الطاهر، التي تبدو معركتها، وفق المعطيات المتوافرة، مؤجلة إلى ما بعد مفاوضات روما المرتقبة في أيلول، مع احتمال تأخر موعدها إلى نهاية الشهر.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن ملف التلة كان حاضراً في جولة المفاوضات الأخيرة في روما، حين طرح الوفد الأميركي على الجانب العسكري اللبناني أن يتولى الجيش اللبناني الانتشار في تلة علي الطاهر، بالتزامن مع خروج عناصر
حزب الله منها، باعتبار أن هذه الخطوة يمكن أن تحول دون شن
إسرائيل هجوماً واسعاً على التلة أو فتح جبهة الجنوب على نطاق أكبر.
الوفد اللبناني لم يحسم، وفق هذه المعطيات، إمكان تنفيذ هذا الطرح، في ظل إدراكه أن حزب الله لا يبدو مستعداً للموافقة عليه. فالحزب، بحسب القراءة المتداولة في أوساط الثنائي، ينظر إلى انسحابه من التلة باعتباره خطوة قد تخدم الخطة
الإسرائيلية ، ولا يطمئن إلى أن وجود الجيش سيمنع إسرائيل من دخولها إذا قررت ذلك، خصوصاً إذا كانت أهدافها تتجاوز السيطرة على التلة نفسها إلى إعادة رسم الواقع الأمني والجغرافي في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تتحدث مصادر أميركية عن فشل محاولات إيرانية لإخراج عناصر إيرانيين ومقاتلين من حزب الله من بعض المواقع، بعدما رفضت إسرائيل هذه المحاولات، وطالبت، وفق المعلومات المتداولة، إما بتسليم هؤلاء أنفسهم أو مواجهة خطر القتل.
ومن هنا، يبدو اجتماع روما المقبل اختباراً جديداً للمسار التفاوضي. فإذا نجحت الاتصالات في التوصل إلى صيغة تضمن انتشار الجيش وتمنع التصعيد
الإسرائيلي ، فقد تبقى المعركة مؤجلة. أما إذا تعذر تنفيذ ما يتم التوافق عليه، فتشير المصادر الأميركية إلى أن إسرائيل قد تتجه إلى عملية عسكرية واسعة ضد تلة علي الطاهر، في إطار مواجهة قد تكون أوسع من حدود الموقع نفسه.
وتكتسب هذه المعركة، في حال وقوعها، بعداً إسرائيلياً داخلياً أيضاً، إذ لا تخفي المصادر نفسها أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يوظفها سياسياً، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، لتقديم نفسه بوصفه القادر على فرض واقع أمني جديد على الحدود الشمالية، بحيث يتحول جنوب لبنان إلى إحدى ساحات الخطاب الانتخابي الإسرائيلي.
وفي ضوء ذلك، لا تبدو معركة علي الطاهر حتمية أو وشيكة بالضرورة، لكنها أيضاً لا تُسقط من الحسابات. فموعدها يرتبط إلى حد كبير بما ستنتجه مفاوضات روما، والاتصالات الأميركية ـ الإيرانية عبر الوسطاء، وبمدى قدرة الأطراف على تنفيذ أي تفاهم يتم التوصل إليه. أما فشل التفاهم، فقد يعيد فتح الباب أمام مواجهة إسرائيلية واسعة، في وقت تحاول فيه واشنطن، حتى الآن، إبقاء الضغط على إيران ضمن مستوى يسمح باستنزافها اقتصادياً وسياسياً من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
ويبقى السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة: هل تنجح الضغوط الأميركية في دفع إيران إلى القبول بتسويات إقليمية، أم أن طهران ستلجأ إلى تفعيل ما تبقى من أوراقها في العراق واليمن ولبنان؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تكون العامل الأكثر تأثيراً في تحديد ما إذا كانت تلة علي الطاهر ستبقى ورقة تفاوضية، أم تتحول إلى شرارة مواجهة جديدة في الجنوب.