آخر الأخبار

موقوف في بيروت ودمشق تطلب استرداده... هل يفتح عادل عيسى باب ضباط الأسد؟

شارك

انتشر ظهر الجمعة خبر يفيد بأن النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج قرر تسليم اللواء السوري السابق عادل عيسى إلى القضاء السوري وبدأ إجراءات نقله. لكن الساعات التالية أعادت الملف إلى مكان مختلف. فقد نفى مكتب الحاج صدور قرار بالتسليم، ثم أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن عيسى استُجوب في حضور وكيله المحامي طوني شديد ، وصدرت بحقه مذكرة توقيف وجاهية، فيما بقي طلب استرداده قيد الدرس حتى مطلع الأسبوع المقبل.

لم يكن الفارق بين الروايتين تفصيلًا إجرائيًا فحسب. فالتوقيف يتيح للقضاء ال لبنان ي إبقاء المطلوب تحت سلطته ريثما يفحص الملف الوارد من دمشق ويقرر في طلب استرداده، أما التسليم فينهي هذه المرحلة وينقله إلى سلطة قضائية أخرى لمحاكمته. وبين القرارين أسئلة تتعلق بالأدلة واختصاص القضاء وطبيعة الجرائم والضمانات التي يستطيع لبنان طلبها قبل إخراج الموقوف من أراضيه.

تزداد حساسية هذه الأسئلة بفعل تزامن حدثين في 11 آب. ففي اليوم نفسه الذي أقر فيه مجلس النواب اللبناني إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالأشغال الشاقة المؤبدة، أصدرت محكمة الجنايات في دمشق أحكامًا بالإعدام على بشار و ماهر الأسد و عاطف نجيب ومسؤولين سابقين آخرين. وكان حكم نجيب حضوريًا، بعد إدانته بجرائم قتل عمد وتعذيب مرتبطة بقمع احتجاجات درعا، ما يقدّم مثالًا مباشرًا على العقوبة التي يستطيع القضاء السوري إصدارها بحق مسؤولين سابقين.

هكذا يتجاوز ملف عيسى مصير ضابط بعينه مطلوب للقضاء في سوريا . فهو أول اختبار جدي للطريقة التي ستتعامل بها الدولة اللبنانية مع طلبات سوريا الجديدة لملاحقة مسؤولين خدموا النظام السابق، وقد يصبح القرار الصادر فيه قاعدة لعشرات الملفات اللاحقة. فهل يملك لبنان ما يكفي من الأدلة والضمانات لتسليم عيسى، ومن يحدد أن شروط الاسترداد قد اكتملت؟

خبر سبق القرار

أوقفت السلطات اللبنانية عيسى في 8 آب، بعدما حضر إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة وتبين أنه مطلوب بموجب مذكرة سورية. وطلب الحاج من النيابة العامة السورية تزويده بالملف القضائي، قبل أن يستجوب عيسى الجمعة ويصدر مذكرة توقيف وجاهية بحقه بشبهة القتل العمدي والقصدي والتعذيب المفضي إلى الوفاة وإثارة الاقتتال الداخلي والطائفي.

لا تعني المذكرة أن القضاء اللبناني تبنى الاتهامات أو حسم المسؤولية عنها. وظيفتها في هذه المرحلة تثبيت التوقيف على أساس الملف الوارد ومنع مغادرة المطلوب قبل الفصل في طلب استرداده. لذلك كان تصحيح خبر التسليم ضروريًا، لأن القول إن القرار صدر يلغي عمليًا مرحلة كاملة يفترض أن تُفحص فيها شروط الاتفاق ودفوع الموقوف والنتائج التي قد تترتب على نقله.

اتفاق قديم أمام سلطة جديدة

يستند الطلب السوري إلى الاتفاق القضائي الموقّع بين لبنان وسوريا في 25 شباط 1951، والمستكمل باتفاقية ملحقة عام 1996. ويجعل الاتفاق التسليم واجبًا، من حيث المبدأ، عندما يكون الشخص ملاحقًا أو متهمًا بجناية أو بجنحة تتجاوز عقوبتها سنة، وتكون الجريمة قد ارتكبت في أراضي الدولة الطالبة. وبما أن القتل والتعذيب مجرّمان في البلدين، تبدو الشروط الأولية متوافرة من حيث خطورة الأفعال ومكان وقوعها.

لكن الاتفاق لا يحوّل الطلب إلى أمر تنفيذي تلقائي. فمادته الرابعة تمنع التسليم عندما لا يشكل الفعل جريمة في قانون الدولة المطلوب منها، أو يكون للجريمة طابع سياسي، أو يكون الجرم قد ارتُكب في أراضيها. كما تتناول وضع الموظف المكلف بمهمة رسمية خارج بلاده عندما يقع الفعل أثناء ممارسته المهمة أو بسببها. وهذا يعني أن وجود مذكرة سورية يفتح الفحص اللبناني ولا يغلقه.

دفع سياسي لا حصانة ثابتة

يستطيع الدفاع أن يجادل بأن الاتهامات نشأت من صراع سياسي بدأ مع احتجاجات عام 2011، وبالتالي يطلب تطبيق الاستثناء المتعلق بالجرائم السياسية. غير أن هذا الدفع لا يكفي وحده. فقانون العقوبات اللبناني يميز بين الدافع السياسي والجريمة الجسيمة، ولا يمنح وصف الجريمة السياسية تلقائيًا لأفعال مثل القتل العمدي حتى عندما تقع في سياق صراع على السلطة.

تقع مهمة النائب العام هنا بين حدين. فهو لا يحاكم عيسى عن الوقائع المنسوبة إليه، لكنه لا يستطيع أيضًا الاكتفاء بعنوان الاتهام الذي اختارته دمشق. عليه أن يتحقق من هوية المطلوب ومكان الأفعال والوصف القانوني والأدلة المرفقة، وأن يتيح للدفاع تقديم دفوعه.

وبموجب الاتفاق، يُفصل في الطلب بقرار معلل، فيما تمنح بعض حالات الرفض وزير العدل ولجنة استرداد المجرمين دورًا، ما يجعل العملية قضائية في أساسها من دون أن يعزلها تمامًا عن السلطة التنفيذية.

دولتان وعقوبتان في يوم واحد

لم يكن قانون إلغاء الإعدام قد استكمل، حتى الجمعة، مساره الدستوري بالنشر بعد إقراره في مجلس النواب. مع ذلك، يصعب فصل اختيار البرلمان إنهاء هذه العقوبة عن طلب تسليم شخص إلى قضاء يستخدمها فعلًا. فالمسألة لم تعد احتمالًا بعيدًا بعدما حكمت محكمة دمشق، في اليوم نفسه، بإعدام عاطف نجيب حضوريًا عن أفعال ارتبطت أيضًا بقمع احتجاجات عام 2011.

لا يؤدي اختلاف العقوبتين آليًا إلى رفض التسليم، ولا يتضمن اتفاق 1951 ، في ما هو معلن، قاعدة تفصيلية تعالج هذه الحالة. لكنه يفتح باب طلب ضمانة سورية بعدم الحكم بالإعدام على عيسى أو عدم تنفيذ العقوبة بحقه. كما يسمح بطرح سؤال عن أثر المادة 34 من قانون العقوبات اللبناني، التي تنص على رفض الاسترداد عندما تكون العقوبة المطبقة في الدولة الطالبة منافية للنظام الاجتماعي في لبنان. فتصويت البرلمان لا يحسم وحده تفسير هذه العبارة، لكنه يغيّر الأرضية القانونية والأخلاقية التي سيجري عليها التفسير.

ملف واحد وخلفه قائمة طويلة

تحدثت دمشق منذ مطلع العام عن مسؤولين وضباط سابقين لجأوا إلى لبنان، وقدمت إلى الأجهزة اللبنانية قائمة تضم أكثر من مئتي اسم، من دون أن تكون جميعها مرفقة آنذاك بطلبات استرداد وملفات قضائية مكتملة. لهذا يشكل ملف عيسى انتقالًا من تبادل الأسماء والمعلومات الأمنية إلى اختبار حالة محددة وصل فيها الاتهام إلى النائب العام مع مستنداته.

سيحدد القرار ما إذا كانت العلاقة القضائية الجديدة ستقوم على فحص كل ملف على حدة، أم على افتراض الثقة المسبقة بكل ما يرد من دمشق. كما سيكشف ما إذا كان التعاون يسير في اتجاه واحد، بينما تبقى ملفات لبنانية عالقة مع سوريا، من المفقودين والمعتقلين إلى الجرائم التي وقعت على الأراضي اللبنانية خلال عقود الوصاية.

المحاسبة عن القتل والتعذيب ليست سببًا لحماية المتهمين من القضاء، وضمان المحاكمة العادلة ليس ذريعة لتحويل لبنان إلى ملاذ لهم. لذلك، يتطلب القرار في قضية عادل عيسى الجمع بين القاعدتين: ملف مثبت لا لائحة سياسية، وضمانات قابلة للتحقق لا ثقة مفترضة.

بهذه القواعد يصبح التسليم جزءًا من تعاون قضائي يمكن الدفاع عنه، وتصبح السابقة قاعدة دولة لا نتيجة خبر سبق القرار.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا