تحوّلت أزمة النّفايات في لبنان إلى مشهدٍ دوريّ: تمتلئ المطامر، تتعثّر عمليّات الجمع، فتعود النّفايات إلى الطّرقات، ويبدأ البحث من جديد عن حلّ طارئ. لكنّ التّجارب العالميّة تُثبت أنّ المعالجة الحقيقيّة لا تبدأ من المطمر، بل من المنزل والبلديّة، عبر تقليل النفايات وفرزها ومعالجة ما يُمكن الاستفادة منه قبل التّفكير بالطّمر.
الفرز من المصدر
أولى الخطوات التي يُمكن للبنان اعتمادها هي الفرز من المصدر، فلا يُمكن بناء قطاعٍ فعليّ لإعادة التّدوير إذا وصلت بقايا الطعام مُختلطة بالبلاستيك والزجاج والورق. ويُمكن البدء بنظامٍ بسيط يفصل النّفايات العضويّة عن الموادّ القابلة لإعادة التّدوير وعن النفايات المتبقيّة، على أن يُطبّق تدريجيّاً عبر البلديّات واتحادات البلديّات.
ألمانيا نموذجاً
تشكّل ألمانيا نموذجاً بارزاً في هذا المجال، إذ تعتمدُ مسارات منفصلة لجمع أنواع مُختلفة من النّفايات، إلى جانب تحميل المُنتجين جزءاً من مسؤوليّة العبوات التي يطرحونها في السّوق. وهنا يُمكن للبنان تطبيق مبدأ "مسؤوليّة المنتج الممتدة"، بحيث تُساهم الشّركات والمستوردون في تمويل جمع العبوات ومُعالجتها، بدلاً من تحميل البلديّات والمواطن كامل الكلفة.
عبوات مقابل بدل ماليّ
كذلك، يُمكن اعتماد نظام استرداد العبوات مُقابل بدل ماليّ، كما يحصل في ألمانيا ودول أخرى، بحيث يدفع المستهلك مبلغاً إضافياً بسيطاً عند شراء القنينة ويستعيده عند إعادتها إلى نقطة جمع. وهكذا تتحوّل العبوة من نفاية إلى مادة ذات قيمة.
أما تحويل النّفايات إلى طاقة عبر الحرق، فلا يجب التعامل معه كحلّ أول. فهو يحتاج إلى استثمارات مرتفعة وضوابط صارمة للانبعاثات، كما أنّه لا يغني عن الفرز والتّدوير.
"ادفع بقدر ما ترمي"
أما كوريا الجنوبيّة، فاعتمدت نموذجاً مُختلفاً يقوم على مبدأ "ادفع بقدر ما ترمي"، حيث يدفع المواطن بحسب كميّة النفايات التي ينتجها. ويمكن الاستفادة من هذا النموذج في لبنان عبر ربط الرّسوم تدريجيّاً بحجم النفايات، شرط أن يقابله تحسين فعليّ في الخدمة وحوافز للفرز والتّقليل.
وحدات تسميد محليّة
إحدى أهمّ نقاط الإصلاح أيضاً تتعلّق بالنفايات العضوية، التي تشكّل جزءاً أساسيّاً من النفايات المنزليّة ويمكن تحويلها إلى سمادٍ بدل نقلها إلى المطامر. ويمكن للبلديّات، خصوصاً في المناطق الزراعيّة، إنشاء وحدات تسميد محليّة أو إقليميّة تخدم مجموعة قرى وتخفّف كلفة النّقل والطمر.
حلٌ لامركزيّ...
يجب أن يكون الحلّ في لبنان أيضاً لامركزيّاً. فالمناطق اللبنانيّة تختلف في كثافتها السكانيّة ومساحاتها ونشاطها الاقتصاديّ، وبالتّالي قد تكون منظومات الجمع والفرز والتّسميد على مستوى اتحادات البلديّات أكثر كفاءة من نقل كلّ النفايات إلى مواقع محدودة.
لم يبتكر العالم آلة سحرية تختفي داخلها النّفايات. ما فعلته الدّول الناجحة هو بناء سلسلة مُترابطة تجعل الطّمر الحلّ الأخير لا الأول.
بعد سنوات طويلة من مسلسل أزمات النفايات المتتالية في لبنان، حان الوقت لنسأل: "كيف نمنع مُعظمها من الوصول إلى المطمر؟" لا "أين نضع النّفايات؟"