تستمر التقديرات المتباينة حول الأبعاد الحقيقية لـ" اتفاقية مكة الدفاعية "، التي أُبرمت مؤخرًا بين كل من السعودية و تركيا و باكستان ، إذ تتراوح القراءات بين من يراها مجرد "فقاعة" إعلامية ومناورة سياسية لا تتجاوز حدود العرض الدبلوماسي، وبين من يذهب إلى اعتبارها نقطة تحول جيوستراتيجية مفصلية قد تحدث زلزالًا في توازنات القوى بالمنطقة، لا سيما في ظل التطورات المتسارعة والمتلاحقة التي يشهدها الشرق الأوسط منذ إطلاق عملية " طوفان الأقصى " في السابع من تشرين الأول 2023.
ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن إطلاق أحكام قاطعة أو نهائية حول هذه الاتفاقية يبدو أمرًا مبكرًا ويحتاج إلى متسع من الوقت، لفهم انعكاساتها الفعلية وتداعياتها الميدانية على أرض الواقع. فبناء حلف دفاعي من هذا النوع يستلزم ترتيبات لوجستية وسياسية وأمنية معقدة بين الدول الثلاث، لا سيما وأن مروحة التهديدات والتحديات الأمنية التي تواجه كل دولة منها تختلف جذريًا عن الأخرى، مما يضيف أبعادًا من التعقيد والتأني أمام وضع أطر تنفيذية وموحدة لها.
من حيث المبدأ، يمكن الجزم بأن هذه الاتفاقية تشكل حاجة جيوستراتيجية ماسة للرياض بالدرجة الأولى، فقد جاءت استجابة للتحولات والدروس المستفادة عقب اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة مع إيران ، حيث أثبتت الوقائع أن الاعتماد المطلق على مظلة الحماية الأميركية التقليدية بات خيارًا غير كافٍ، بل على العكس، أضحى هذا التواجد العسكري بمثابة ذريعة ومسوغ استغلته طهران لتوجيه ضربات عسكرية تطال عددًا من الدول الخليجية، تحت شعار استهداف القواعد الأميركية المتمركزة فيها.
بناءً على ذلك، كان من الطبيعي أن تتحرك الرياض للبحث عن خيارات أمنية جديدة وديناميكية، لا تهدف بالضرورة إلى إلغاء التحالف التاريخي مع واشنطن، بل إلى تطعيمه وتعزيزه بشراكات إقليمية وإسلامية ذات وزن عسكري ونووي. ووفق هذا المنظور، تُعد طهران المعني المباشر والأبرز برسائل هذه الاتفاقية، كونها مصدر التهديد الرئيسي لأمن دول الخليج من وجهة نظر الرياض. إلا أن ذلك لا ينفي الأهمية القصوى لردود الفعل الإسرائيلية، إذ تلقت تل أبيب النبأ ببالغ القلق والحِيطة.
بالنسبة إلى إسرائيل، التي عملت جاهدة طوال السنوات الماضية لتقديم نفسها كـ"شريك أمني وحامٍ محتمل" للدول الخليجية في مواجهة النفوذ الإيراني، فإن دخول قوى إقليمية ودولية بوزن تركيا وباكستان على الخط يقلص حظوظها وينهي طموحاتها بإنشاء حلف أمني ينضوي تحت مظلتها. يضاف إلى ذلك أن أنقرة لا تجمعها أي أرضية للتوافق مع تل أبيب في الوقت الراهن، بل تخوض معها صراعًا محتدمًا على النفوذ وسردية الصدارة في الإقليم.
في القراءة الكلية، تبرز زاوية جوهرية لا يمكن التغاضي عنها، تكمن في أن جميع الأطراف في هذه الاتفاقية ينتمون أيديولوجيًا وسياسيًا إلى معسكر حلفاء الولايات المتحدة المباشرين. وبالتالي، فإن المضي في خطوة نوعية كهذه لم يكن ليتأتى دون وجود ضوء أخضر، أو على الأقل تنسيق وتفاهمات مسبقة مع الإدارة الأميركية.
في المحصلة، يبقى الأهم من ذلك كله أن هذه الاتفاقية تُعد مؤشرًا صريحًا على دخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة كليًا من إعادة رسم المحاور وتوزيع مراكز القوى، في إطار السعي لتدشين " نظام إقليمي جديد "، لم تكتمل ملامحه النهائية بعد، ولن تتضح خطوطه العريضة بشكل جلي قبل أن تضع الحرب مع إيران أوزارها، الأمر الذي قد يترافق، على الأرجح، مع ولادة أو تعزيز تحالفات من قوى أخرى، حيث لا يمكن تجاهل مسار آخر يضم الهند مع إسرائيل واليونان وقبرص.
المصدر:
النشرة