كشفت صحيفة The National، في تقرير ميداني من بلدة كفرشوبا جنوب لبنان ، أن سكان البلدة يعيشون تحت وطأة قواعد إسرائيلية غير معلنة، تحدد بصورة غير مباشرة حركة الأهالي ووصولهم إلى أراضيهم، وسط مداهمات واعتقالات وإطلاق نار وقيود متكررة على أعمال البنية التحتية.
وبحسب الصحيفة، تقع كفرشوبا ضمن شريط من الأراضي في جنوب
لبنان بعمق يصل إلى نحو سبعة كيلومترات، تقول إن القوات
الإسرائيلية تسيطر عليه، فيما دُمّرت كلياً أو جزئياً عشرات القرى داخله، ما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان.
وتنقل The National عن سكان ومسؤولين محليين أن كفرشوبا، إلى جانب عدد محدود من البلدات الجنوبية الأخرى، تمكنت من تجنب التدمير والتهجير الواسع الذي طال قرى أخرى، لكن ذلك ترافق مع قيود مشددة على حركة السكان، أبرزها عدم السماح بإيواء عناصر من "
حزب الله " أو نازحين من القرى المجاورة.
اعتقال خلال تأمين المياه
وتروي الصحيفة حادثة وقعت في حزيران، عندما أوقفت القوات الإسرائيلية موظفين في بلدية كفرشوبا أثناء قيامهما بنقل مادة الديزل إلى مولد كهربائي يستخدم لتشغيل مضخة المياه في البلدة.
وبحسب رواية محمد الحاج، أحد الموظفين، فقد جرى تكبيل الرجلين وتعصيب أعينهما وتفتيش شاحنتهما، قبل نقلهما إلى موقع عسكري واستجوابهما لساعات، على رغم أن البلدية كانت قد نسقت مسبقاً مع قوة
الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، التي حصلت بدورها على موافقة إسرائيلية لتنفيذ المهمة.
ويقول الحاج، وفق The National ، إن البلدية اضطرت إلى استخدام مولد يعمل بالديزل بعدما دمرت القوات الإسرائيلية عمود الكهرباء الذي يغذي مضخة المياه، ما كلفها نحو 500 دولار يومياً لتأمين الوقود.
وتشير الصحيفة إلى أن البلدية حاولت لاحقاً تركيب عمود كهرباء جديد، وحصلت على موافقة إسرائيلية عبر اليونيفيل، قبل أن يتم سحبها، وقبل أن تحصل البلدة لاحقاً على موافقة جديدة وتنجح في تركيب العمود تحت مرافقة قوات الأمم المتحدة.
حدود غير مرئية
وترى The National أن سكان كفرشوبا يعيشون في ظل ما يصفونه بـ"قواعد غير مكتوبة"، إذ لم تعد الحدود بين المناطق التي يمكن الوصول إليها وتلك التي تعتبرها
إسرائيل محظورة واضحة بالنسبة إليهم.
وينقل التقرير عن الحاج قوله إن سكان البلدة باتوا يخشون الوصول إلى أراضيهم الزراعية، ليس بسبب قرار رسمي معلن، وإنما لأنهم لا يعرفون أين يبدأ الخطر.
وتشير الصحيفة إلى أن الوصول إلى البساتين والأراضي الزراعية الواقعة على أطراف البلدة أصبح مقيداً، فيما يقول الأهالي إن القوات الإسرائيلية تفرض القيود عبر الدوريات وإطلاق النار والمداهمات والاعتقالات، بدلاً من إصدار تعليمات رسمية واضحة.
وفي أيار الماضي، وبحسب التقرير، أوقفت القوات الإسرائيلية ثلاثة عمال كانوا يقومون بأعمال زراعية في منطقة تابعة لكفرشوبا، ولم تتوافر معلومات عن مصيرهم منذ ذلك الحين.
"يمكنكم البقاء... لكن لا تدعوا أحداً يأتي"
وتنقل The National عن مسؤول محلي في كفرشوبا، عماد سعد الدين، أن القوات الإسرائيلية داهمت منزله في آذار، حيث جرى تقييده هو وابنه تحت تهديد السلاح، فيما قال إن أحد الجنود اعتدى على ابنه من ذوي الاحتياجات الخاصة. ويقول إن المداهمة تركت أثراً نفسياً عميقاً عليه وعلى عائلته، ودفعته إلى نقل أسرته من المنزل الواقع على أطراف البلدة.
وبحسب روايته، فقد أبلغ الجنود سكان المنزل بأن بإمكانهم البقاء في البلدة، لكن عليهم منع أي أشخاص آخرين من القدوم إليها، محذرين من أن استمرار وجود هؤلاء قد يؤدي إلى تدمير البلدة وإخلائها.
وتقول الصحيفة إن هذه الرواية تتطابق مع إفادات مسؤولين محليين في بلدات جنوبية أخرى ذات غالبية
سنية أو درزية أو
مسيحية ، تحدثوا عن تلقي اتصالات من أرقام إسرائيلية تطالب بمنع أشخاص يشتبه بارتباطهم بـ "حزب الل"ه، وكذلك
النازحين ، من الإقامة في بلداتهم.
تحذيرات من تداعيات قانونية
وتشير The National إلى أن إسرائيل دمرت كلياً أو جزئياً ما لا يقل عن 60 قرية داخل الشريط الذي تسيطر عليه، وفق ما أورده التقرير، الأمر الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من سكان الجنوب.
وبحسب الصحيفة، يرى خبراء حقوقيون وقانونيون أن منع السكان من العودة إلى منازلهم قد يثير إشكاليات بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما إذا اقترن بالنقل القسري أو التمييز على أساس الانتماء الطائفي.
وتنقل الصحيفة عن المحامي الدولي في مجال حقوق الإنسان أرون كيرني أن وصف المنطقة بأنها "منطقة أمنية" لا يمنحها وضعاً قانونياً مستقلاً بموجب القانون الدولي الإنساني، مضيفاً أن الاعتراف بوجود احتلال يفرض على القوة القائمة بالاحتلال التزامات تجاه السكان المدنيين والممتلكات العامة والخاصة.
كما يحذر كيرني، وفق التقرير، من أن منع السكان من العودة أو تهديد القرى المأهولة بمصير القرى التي دُمرت قد يرقى، في ظروف معينة، إلى العقاب الجماعي أو أعمال الترهيب المحظورة.
وتنقل The National عن سكان كفرشوبا أن الوجود العسكري
الإسرائيلي لا يزال حاضراً بصورة يومية، على رغم دخول إطار لوقف الأعمال العدائية حيز التنفيذ في يونيو، والذي يفترض أن يتضمن انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من جنوب لبنان ونزع سلاح حزب الله.
ويقول السكان إن القوات الإسرائيلية تواصل تسيير دوريات على أطراف البلدة، وإطلاق النار، وتنفيذ عمليات تجريف في الأراضي الزراعية وإحراق مساحات من البساتين.
ويصف وليد ناصر، وهو ضابط متقاعد في الأمن العام، الوضع قائلاً إن الأهالي ما زالوا يعيشون في حالة خوف دائم، وإن إطلاق النار والدوريات الإسرائيلية أصبحا جزءاً من الحياة اليومية.
كذلك، تشير الصحيفة إلى أن ناصر لم يعد قادراً على الوصول إلى عشرات الدونمات من الأراضي الزراعية التي يملكها، بينها أراضٍ مزروعة بالزيتون وأشجار مثمرة، بعدما أصبحت تقع ضمن مناطق لا يستطيع السكان الوصول إليها بأمان.
وجود عسكري مستمر
وبحسب التقرير، أقامت القوات الإسرائيلية موقعاً عسكرياً جديداً في منطقة ربعة التبن في تلال كفرشوبا، إلى جانب ثلاثة مواقع قائمة على سلسلة جبل الشيخ، فيما أثارت عمليات تجريف جديدة للطرق والمناطق المحيطة مخاوف الأهالي من تعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي.
وفي اليوم التالي لإحدى عمليات تركيب عمود الكهرباء، أفاد الحاج للصحيفة بأن القوات الإسرائيلية عادت إلى أطراف البلدة، وجرفت مسارات جديدة داخل الأراضي الزراعية وأحرقت مساحات من بساتين الزيتون.
وبحسب التقرير، أدت هذه العمليات إلى تعقيد جهود إعادة تشغيل شبكة المياه والكهرباء في كفرشوبا، وأبقت البلدية معتمدة على مولدات الديزل لتأمين المياه للسكان.
ويختصر الحاج واقع البلدة بالقول إن الأولوية بالنسبة إلى السكان هي إبقاء المياه متدفقة حتى يتمكن الأهالي من مواصلة حياتهم في كفرشوبا، في ظل استمرار القيود الأمنية والعسكرية التي تحيط بالبلدة.