لم تكن الحرب على
إيران مجرّد حدث عسكري عابر، بل شكّلت نقطة تحوّل في الاقتصاد العالمي، بعدما وضعت أسواق الطاقة والتجارة الدولية أمام اختبار غير مسبوق، على وقع اضطراب حركة النفط في مضيق هرمز وما رافقه من مخاطر جيوسياسية. وقد دفعت هذه التطورات الدول الكبرى إلى إعادة حساباتها الاقتصادية، بالتوازي مع تسارع المشاريع الهادفة إلى إيجاد بدائل للممرات التقليدية، لنقل الطاقة وإعادة رسم خريطة الإمدادات العالمية.
وفي خضم هذه التحوّلات، تبرز جملة من الإشكاليات الاقتصادية: إلى أي مدى كانت الاعتبارات الاقتصاديّة شريكًا أساسيًّا في قرارات الحرب؟ وهل بدأت خريطة الطاقة العالمية تتغيّر فعلاً؟ وهل يفتح مشروع كركوك–بانياس الباب أمام إعادة توزيع مراكز النفوذ في
الشرق الأوسط ؟ وماذا عن
لبنان ، هل ينجح في التحول إلى جزء من هذه الخريطة الجديدة، مستفيدًا من موقعه الجغرافي لا سيما في طرابلس؟ وأين تتموضع الصين في هذه المعادلة الجديدة، بوصفها أحد أبرز المستوردين للنفط
الإيراني وأكثر الاقتصادات تأثرًا باضطراب الإمدادات؟
في قراءة تربط بين السياسة والاقتصاد، يرى الخبير في الاقتصاد السياسي البروفسور بيار الخوري أنّ ما يجري لا يقتصر على إعادة رسم خرائط النفوذ، بل يشمل أيضًا إعادة صياغة قواعد الاستثمار والتجارة والطاقة في المنطقة والعالم.
ويشير الخوري في حديث لـ "
لبنان 24 " إلى أنّ الخطاب السياسي الأميركي لم يكن وحده المؤشّر على اتجاه الأحداث، موضحًا أنّ الأسواق المالية كانت ترسل إشارات مختلفة تمامًا "ففي الأشهر الأولى من عام 2026، كان الرئيس الأميركي
دونالد ترامب يبعث برسائل طمأنة إلى دول الخليج، لكنّ النفط والذهب غالبًا لا يكذبان، حتى عندما يقدَّم الخطاب السياسي رواية مغايرة." ويستند في ذلك إلى تقرير صادر عن مكتب الأخلاقيات الحكوميّة الأميركية، يُظهر أن حسابًا استثماريًا يحمل اسم
ترامب انتقل منذ اليوم الأول للحرب من الأصول مرتفعة المخاطر إلى الملاذات الآمنة، عبر شراء أسهم في شركات الذهب، ثم سندات الخزانة الأميركية، ثم صناديق الاستثمار المرتبطة بالذهب.
ويرى الخوري أنّ هذا النمط من التداول لا يفسر الحرب بحدّ ذاته، لكنه يكشف وجود طبقة اقتصادية موازية للخطاب السياسي المعلن. كما يكشف التقرير تنفيذ أكثر من 3600 صفقة خلال ثلاثة أشهر، بقيمة قاربت ربع مليار دولار، وهو ما يعكس، بحسب الخوري، استعدادًا واضحًا لمرحلة من التقلّبات الاقتصادية الحادّة.
الخليج من الحماية العسكرية إلى المقايضة الاقتصادية
كشف الحرب تحوّلًا في طبيعة العلاقة بين
الولايات المتحدة ودول الخليج، بعدما كانت الأخيرة قد رفعت إنتاجها النفطي وقدمت تعهّدات استثمارية ضخمة في الاقتصاد الأميركي على أساس الحفاظ على استقرار المنطقة. إلا أنّ اندلاع الحرب، أظهر هشاشة هذا التفاهم وفق الخوري "بعد انتهاء الحرب، لم يعد الحديث عن حماية مجانيّة للممرات البحرية، بل عن نموذج اقتصادي تعتبر فيه الحماية العسكرية الأميركية سلعة تُقابلها استثمارات خليجية داخل الولايات المتحدة ."ويشير إلى أنّ تراجع الإدارة الأميركية عن فرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز، ترافق مع توقيع اتفاقيات استثمارية كبرى مع دول الخليج، في مشهد يعكس تداخل الأمن بالاقتصاد أكثر من أي وقت مضى.
الحرب تُسرّع رسم ممرات الطاقة الجديدة
عن انعكاسات الحرب على خريطة الطاقة، يرى الخوري أنّ إعادة الرسم بدأت بالفعل، لكنها لا تزال في بداياتها "من المبكر الحديث عن إعادة رسم كاملة، لكن الحرب سرّعت بصورة واضحة مسارًا كان قائمًا أساسًا، يتمثل في تنويع طرق نقل النفط، بعيدًا من مضيق هرمز."ويضع مشروع خط كركوك–بانياس في صدارة هذه التحوّلات، بعدما انتقل من مجرد مشروع مؤجّل إلى اتفاقات عملية بين العراق وسوريا لإعادة تأهيله، بالشراكة مع تحالف دولي يضم شركات عالمية، بطاقة قد تصل إلى مليوني برميل يوميًا. ولا يقتصر المشروع على تصدير النفط العراقي، بل يعيد لسوريا موقعها كممر استراتيجي للطاقة، ويمنح البحر المتوسط دورًا أكبر في تجارة النفط العالمية.
لبنان... فرصة ما زالت معلّقة
رغم أهمية هذه التحوّلات بالنسبة إلى لبنان، بالنظر إلى موقعه الجغرافي ومنشآته النفطية، ولا سيما في طرابلس، يحذّر الخوري من المبالغة في تقدير مكاسبها، معتبرًا أنّ أي استفادة لبنانية تبقى مرتبطة بعوامل سياسية وأمنية لم تُحسم بعد "يبقى تفعيل هذا المسار مرهونًا باستقرار جانبي الخط في لبنان وسوريا، وبوضوح الجهة المسيطرة على البنية النفطية في شرق الفرات ، لافتًا إلى أنّ استعادة الحكومة
السورية إدارة حقول النفط وخطوط النقل، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تمثّل عاملًا أساسيًا لفتح الباب أمام أيّ استثمار دولي "إلا أنّ هذا التطور لا يزال في بداياته ويحتاج إلى ترسيخ سياسي وميداني.كما لا يزال لبنان في موقع المراقب لهذه التحوّلات، أكثر من كونه شريكًا في صناعتها، وستتوقف فرصته على قدرة الدولة
اللبنانية على التحرّك سريعًا، وتقديم نفسها طرفًا موثوقًا، قبل أن تُحسم شبكة العقود والتحالفات لمصلحة مسار بانياس."
الصين..الخاسر الذي حوّل الأزمة إلى فرصة
اعتماد الصين على النفط الإيراني جعلها تدفع ثمن الحرب بصورة مباشرة، حيث تراجعت التجارة الثنائية بين بكين وطهران بنحو 90%، فيما فقدت الصين ميزة شراء النفط الإيراني بأسعار تقل عن خام برنت، وانخفضت وارداتها من النفط الإيراني إلى نحو نصف مستوياتها السابقة. كما اضطرت الحكومة الصينية إلى اتخاذ إجراءات داخليّة، للحدّ من تداعيات اضطراب الإمدادات. بالمقابل لفت الخوري إلى نجاح الصين في تحويل الأزمة إلى فرصة استراتيجيّة "حيث استغلت سنوات العقوبات على إيران وروسيا وفنزويلا لبناء احتياطي نفطي ضخم بأسعار مخفضة، فتحوّلت البراميل التي أرادت العقوبات عزلها إلى عنصر قوّة في المخزون الاستراتيجي الصيني. الأمر الذي منح الصين قدرة تفاوضيّة أكبر، ودفعها إلى لعب دور أكثر نشاطًا في الضغط لإعادة فتح مضيق هرمز، بالتوازي مع تسريع انتقالها نحو الطاقة المتجددة، التي باتت تشكل نحو 30% من إنتاج الكهرباء لديها. "
الاقتصاد يسبق السياسة
تتجاوز نتائج الحرب إعادة توزيع النفوذ العسكري، لتؤسس لمرحلة يصبح فيها الاقتصاد المحرّك الأساسي للتحولات الجيوسياسية، ويخلص الخوري إلى أنّ الحرب أعادت بالفعل رسم جزء من خريطة الطاقة "إلّا أن المستفيد الأول حتى الآن هو المسار العراقي–السوري–المتوسطي، وليس لبنان. أمّا الصين، فرغم أنّها بدت الأكثر تضررًا من اضطراب الإمدادات، فقد خرجت من الأزمة بأدوات تفاوضيّة أقوى، وبخطوات أسرع نحو تقليص اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، لتصبح، خلافًا للتوقعات الأولى، من أقل القوى الكبرى خسارة على المستوى الاستراتيجي."
في المحصلة، لا تبدو خريطة الطاقة العالمية بعد الحرب كما كانت قبلها،فالممرّات الجديدة تتقدّم، والتحالفات الاقتصادية تُعاد صياغتها على قاعدة المصالح لا الشعارات. وبينما تتحرّك قوى كبرى لحجز مواقعها في هذه الخريطة، يبقى لبنان أمام اختبار حاسم، إمّا أن يحوّل موقعه الجغرافي إلى فرصة اقتصادية فعليّة،أو يكتفي بمراقبة مسارات الطاقة، وهي تُرسم من حوله.