آخر الأخبار

لبنان بين ساعة السيادة أو السقوط في المحاور

شارك

سعد شعنين

يدخل لبنان مرحلة سياسية دقيقة لا تسمح بالمزيد من الانتظار أو إدارة الأزمات بالأساليب القديمة. فالمطلوب منه اليوم لم يعد مجرد الحفاظ على الاستقرار أو منع الانهيار، بل أن يتحول إلى دولة كاملة السيادة، تملك قرارها السياسي والأمني والعسكري، وتحدد مصالحها وعلاقاتها على أساس المصلحة اللبنانية، لا على أساس حسابات المحاور الإقليمية.

ومن هنا تأتي أهمية إصرار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على المفاوضات، باعتبارها المسار الذي يجب أن تستعيد من خلاله الدولة موقعها كصاحبة القرار. فالتفاوض ليس مجرد إجراء دبلوماسي لتخفيف التوتر، بل هو ترجمة عملية لفكرة أن الملفات السيادية اللبنانية يجب أن تُدار من داخل المؤسسات الشرعية، وأن الدولة هي التي تتحدث باسم لبنان، وتفاوض باسمه، وتتحمل مسؤولية ما تقرره.
وهذا الإصرار يكتسب أهمية أكبر لأن لبنان لا يملك ترف الوقت. فالمنطقة تتغير بسرعة، والتحالفات يعاد تشكيلها، والتوازنات الدولية والإقليمية تتبدل، فيما لبنان لا يستطيع أن يبقى في المنطقة الرمادية، بين دولة تسعى إلى استعادة قرارها وساحة مفتوحة أمام مشاريع الآخرين. وكل تأخير في تثبيت موقع الدولة قد يعني خسارة فرصة سياسية جديدة، أو دفع أثمان أكبر في مرحلة لاحقة.
لذلك، فإن الذهاب إلى المفاوضات لا يعني التراجع أو تقديم التنازلات، بل يعني أن الدولة قررت استخدام أدواتها السياسية والدبلوماسية للدفاع عن مصالحها. فالدولة القوية ليست الدولة التي ترفض التفاوض، بل الدولة التي تفاوض وهي تملك قرارها ومؤسساتها وقدرتها على تنفيذ ما تتوصل إليه.
المشكلة الأساسية في لبنان لم تكن يوماً في علاقاته مع الخارج، بل في أن هذه العلاقات تحولت في مراحل كثيرة إلى مدخل لتجاذبات تتجاوز الدولة نفسها. ولذلك فإن المطلوب ليس نقل لبنان من محور إلى محور، ولا استبدال نفوذ خارجي بنفوذ آخر، وإنما إخراجه من منطق المحاور بالكامل.
لبنان يستطيع أن تكون له أفضل العلاقات مع الدول العربية والغربية والشرقية، وأن يتعاون مع الجميع، لكنه لا يستطيع أن يكون تابعاً لأحد. والسيادة تعني أن يكون القرار اللبناني لبنانياً، وأن يكون الجيش والقوى الأمنية والمؤسسات الشرعية هي المرجعية الوحيدة، وأن تكون الحدود تحت سلطة الدولة، وأن يكون قرار الحرب والسلم محصوراً بها.
وهنا تلتقي المفاوضات مع استعادة السيادة. فلا يمكن للدولة أن تفاوض الخارج بقوة وفاعلية فيما يبقى جزء من قرارها السيادي خارج مؤسساتها. كما لا يمكن أن يطلب لبنان دعماً دولياً وعربياً لإعادة بناء اقتصاده واستعادة دوره، بينما يبقى معرضاً لأن يتحول إلى ساحة متقدمة في أي صراع إقليمي.
لقد أثبتت التجربة أن لبنان يدفع دائماً ثمن تحويل أرضه إلى ساحة لصراعات الآخرين. فعندما تتصاعد المواجهات في المنطقة، تنتقل تداعياتها سريعاً إلى لبنان، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، بينما يبقى القرار الذي أشعلها خارج الدولة. وهذه المعادلة لم تعد قابلة للاستمرار، لأن كلفة استمرارها أصبحت أكبر من قدرة لبنان على تحملها.
لذلك، فإن المرحلة الحالية يجب أن تكون لحظة انتقال حقيقية من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة. وهذا الانتقال يحتاج إلى قرار سياسي واضح، وإلى خطوات متوازية"دفع المفاوضات قدماً، تثبيت سلطة المؤسسات، ضبط الحدود، وقف التهريب، حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز دور الجيش والقوى الأمنية، بحيث يصبح القرار السيادي واحداً لا قرارين."
والأهم أن هذه العملية لا تحتمل التأجيل. فلبنان لا يملك ترف انتظار ما ستؤول إليه المنطقة ثم محاولة التكيف مع النتائج. عليه أن يكون حاضراً في صناعة موقعه، لا مجرد متلقٍ لنتائج التحولات من حوله. وكلما تأخر في تثبيت موقعه كدولة، ازدادت احتمالات أن تُرسم ترتيبات المنطقة من دونه.
من هنا، فإن إصرار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على المفاوضات يجب أن يُقرأ في إطار أوسع" إنه محاولة لإعادة الدولة إلى صلب القرار، وإعادة لبنان إلى موقع الطرف الذي يتفاوض حول مستقبله، لا الساحة التي يتفاوض الآخرون فوق أرضها".
المطلوب اليوم ليس معركة بين لبنان ومحور، ولا مواجهة بين فريق لبناني وآخر، بل معركة استعادة الدولة نفسها. دولة لا تكون رأس حربة لأي مشروع إقليمي، ولا خط دفاع متقدماً عن أي طرف، ولا ورقة تفاوض في يد أحد.
لبنان لا يحتاج إلى محور يحميه بقدر ما يحتاج إلى دولة تحميه. ولا يحتاج إلى قرار يُتخذ باسمه، بل إلى دولة تتخذ القرار باسمه.

فالمنطقة تتغير، والفرص لا تنتظر، ولبنان لا يملك ترف الوقت. وإذا كان المطلوب أن يعود دولة كاملة السيادة، فإن الطريق يبدأ الآن بالمفاوضات التي تديرها الدولة، وبالقرار الذي تحتكره الدولة، وبالسيادة التي لا تقبل التجزئة.


MTV المصدر: MTV
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا