لم يعد ملف حصرية السلاح بيد القوى الشرعية وحدها دون سائر قوى الأمر الواقع، وبالتحديد "
حزب الله "، مجرد عنوان خلافي يتكرر في البيانات الوزارية أو في الخطابات السياسية، بل تحول إلى محور التفتيش عن ملامح المرحلة المستقبلية، داخلياً وخارجياً، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، واستمرار المفاوضات غير المباشرة بين
لبنان وإسرائيل، التي لا تزال تراوح مكانها، مع تعثّر الخطوات التجريبية الأولى، في ظل ما تقوم به
إسرائيل من تفجيرات يومية متواصلة في أكثر من منطقة جنوبية، مع ما يُرسم من علامات استفهام كبيرة عن لغز تلة علي الطاهر.
فخلال السنوات الماضية، كان الخلاف يدور حول مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. أما اليوم، وبعد التطورات التي شهدتها المنطقة، بات النقاش يتركز بصورة متزايدة على آليات التنفيذ، وتوقيته، والضمانات السياسية والأمنية التي ترافق أي انتقال إلى واقع جديد.
وتأتي مواقف "حزب الله" الأخيرة لتؤكد أن الحزب لا يزال يربط أي نقاش في مستقبل سلاحه بجملة من الشروط، أبرزها الانسحاب
الإسرائيلي الكامل من الأراضي
اللبنانية التي يعتبرها محتلة، ووقف الاعتداءات والخروق، وتوفير ضمانات فعلية لأمن لبنان. ومن هذا المنطلق، يرى الحزب أن الأولوية تبقى لمعالجة التهديدات الخارجية قبل الانتقال إلى أي بحث داخلي في هذا الملف.
في المقابل، تتمسك الدولة اللبنانية، وفق المواقف الرسمية الصادرة عن رئاستي الجمهورية والحكومة، بمبدأ أن احتكار الدولة وحدها لقرار استخدام القوة يشكل أحد مقومات بناء الدولة واستعادة سيادتها، مع التشديد في الوقت نفسه على اعتماد الحوار والمؤسسات الدستورية لمعالجة هذا الاستحقاق، بما يحفظ الاستقرار الداخلي ويجنب البلاد أي اهتزاز أمني.
وتشير أوساط سياسية إلى أن التحولات الإقليمية دفعت هذا الملف إلى واجهة الاهتمام الدولي. فالتفاهمات التي تشهدها المنطقة، والتغيرات في
سوريا ، والضغوط الرامية إلى تثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية، كلها عوامل تجعل ملف السلاح جزءاً من رؤية أوسع لإعادة ترتيب المشهد الأمني في المنطق، بدءًا من سلاح "الحشد الشعبي" في
العراق وصولًا إلى سلاح حركة "
حماس " في غزة.
لكن، في المقابل، لا يبدو أن أي طرف داخلي أو خارجي يعتقد أن هذا الملف يمكن أن يُحسم بقرار سريع أو بإجراءات أحادية. فالتجربة اللبنانية أظهرت أن
القضايا المرتبطة بالتوازنات الوطنية تحتاج إلى تفاهمات سياسية واسعة، وإلى مقاربة تراعي الاعتبارات الأمنية والدستورية والاجتماعية في آن واحد.
ويرى مراقبون أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه هذا المسار. فإذا نجحت الترتيبات الأمنية في الجنوب، واستُكمل تنفيذ الالتزامات المتبادلة، ولا سيما ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وتثبيت الاستقرار، فقد تتوافر بيئة أكثر ملاءمة لفتح حوار داخلي حول مستقبل الاستراتيجية الدفاعية ودور الدولة في احتكار السلاح.
أما إذا بقيت الحدود الجنوبية عرضة للتوتر، واستمرت الخروقات والاعتداءات، فمن المرجح أن يتمسك كل طرف بموقفه، ما يعني بقاء الملف في دائرة المراوحة، على رغم الضغوط الداخلية والخارجية.
وفي مطلق الأحوال، يبدو أن لبنان دخل مرحلة مختلفة. فلم يعد السؤال المطروح هو عما إذا كان مبدأ حصرية السلاح مطروحاً على النقاش، بل كيف يمكن الوصول إليه ضمن مسار يحفظ السلم الأهلي، ويعزز مؤسسات الدولة، ويأخذ في الاعتبار الواقع الأمني الذي يحيط بالبلاد.
ولعل التحدي الأكبر يكمن في قدرة اللبنانيين على تحويل هذا الملف من مادة انقسام سياسي إلى قضية وطنية تُناقش تحت سقف الدستور والمؤسسات، لأن نجاح أي مقاربة لن يقاس فقط بإعلان المواقف، بل بقدرتها على إنتاج توافق وطني يحمي الدولة ويصون الاستقرار.
وعليه، فإن التطورات الإقليمية قد تكون فتحت نافذة جديدة للنقاش، لكنها لم تُلغِ حقيقة أساسية، وهي أن مستقبل ملف حصرية السلاح سيبقى رهناً بالتقاء عاملين، أولهما مسار التسويات في الإقليم، وثانيهما قدرة اللبنانيين على التوصل إلى تفاهم داخلي يضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار، من دون أن يعني ذلك تمييع القرارات الحكومية، التي لا تزال حبرًا على ورق، ومن دون أن يعني ايضًا الدخول في صراعات جانبية عبثية وغير مجدية في المرحلة الراهنة.