آخر الأخبار

إسرائيل تُجمّد التقدم وتُبقي المفاوضات حيّة حتى الانتخابات التشريعية

شارك

شكلت الجولة الأخيرة من المفاوضات ال لبنان ية-الإسرائيلية اختبارًا حقيقيًا لقدرة هذا المسار على الاستمرار في ظل التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق. فبدلاً من أن تخلق الضغوط العسكرية ظروفاً تدفع نحو تقديم تنازلات متبادلة أو تحقيق اختراق سياسي، تحولت إلى أداة استخدمتها إسرائيل لتشديد شروطها ورفع سقف مطالبها، إلى درجة أن مصادر متابعة تؤكد أنها لوّحت بتعليق جلسة التفاوض نفسها إذا لم ينسجم مسار النقاش مع ما تريده، في مفارقة لافتة بعدما كانت التوقعات تشير إلى أن لبنان هو من قد يلجأ إلى تعليق المفاوضات احتجاجاً على التصعيد العسكري واستمرار الاعتداءات.

هذا السلوك الإسرائيلي يعكس قناعة لدى القيادة السياسية والعسكرية في تل أبيب بأن امتلاكها ورقة الضغط الميداني يمنحها قدرة أكبر على فرض إيقاع التفاوض، وأن استمرار العمليات العسكرية والتهديد بتوسيعها يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتحسين شروطها السياسية، وليس إلى عامل يدفعها نحو تقديم تنازلات. ولذلك بدا واضحاً خلال الجولة الأخيرة أن إسرائيل لم تدخل المفاوضات بحثاً عن حلول وسط، بل بهدف اختبار قدرة الطرف الآخر على تحمل المزيد من الضغوط، مع الإبقاء على الباب مفتوحاً أمام استمرار التفاوض طالما أنه لا يفرض عليها أي التزام عملي.

في المقابل، وبحسب المصادر، لعبت الولايات المتحدة دوراً مختلفاً عن الدور الذي كان يؤمل أن تقوم به. فبدلاً من ممارسة ضغط فعلي لانتزاع خطوات متبادلة أو إلزام إسرائيل بتخفيف التصعيد، انصب الجهد الأميركي على منع انهيار المسار التفاوضي نفسه. وتؤكد المصادر عبر "النشرة" أن واشنطن تدخلت لإبقاء إسرائيل على الطاولة بعدما ارتفعت حدة التوتر داخل الجلسة، لأن الأولوية الأميركية لم تعد تحقيق تقدم سريع، بل الحفاظ على وجود قناة تفاوض مفتوحة تمنع الانزلاق الكامل نحو مواجهة عسكرية واسعة وتؤجل الانفجار إلى مرحلة لاحقة.

وبذلك تحولت الجولة الأخيرة من فرصة كان يفترض أن تنتج تقدماً، ولو محدوداً، إلى مجرد عملية إدارة للأزمة. فالنجاح الأميركي اقتصر على منع انهيار المفاوضات، بينما بقيت القضايا الجوهرية عالقة، وبقيت إسرائيل متمسكة بمواقفها، مستفيدة من تفوقها العسكري ومن اعتقادها بأن عامل الوقت يعمل لمصلحتها.

وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن الحسابات الإسرائيلية تجاوزت تفاصيل الملفات المطروحة على الطاولة، وأصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالاستحقاق السياسي الداخلي. فبحسب المصادر، بات واضحاً أن الحكومة الإسرائيلية ليست في وارد تقديم أي تنازل يمكن أن يُفسر داخلياً على أنه تراجع أو ضعف قبل الانتخابات التشريعية المقبلة. ولذلك فإن سياسة التشدد الحالية تحولت جزءًا من استراتيجية تمتد حتى موعد الانتخابات، تقوم على الجمع بين التصعيد العسكري، ورفع سقف المطالب، وإطالة أمد التفاوض من دون السماح بتحقيق أي اختراق جدي.

وتعتقد تل أبيب أن استمرار هذا النهج يمنحها أكثر من مكسب في آن واحد. فمن جهة، تحافظ على صورة الحكومة بأنها لا تقدم تنازلات في الملفات الأمنية الحساسة، ومن جهة أخرى تبقي الضغط قائماً على لبنان، فيما تترك الباب مفتوحاً أمام الأميركيين لمواصلة رعاية المفاوضات، بما يمنع تحميلها مسؤولية انهيارها بالكامل.

أما لبنان، فيجد نفسه أمام معادلة معقدة، فهو يدرك أن الانسحاب من المفاوضات قد يمنح إسرائيل ذريعة للادعاء بأن الطرف اللبناني هو من أفشل المسار الدبلوماسي، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع القبول بتحويل التفاوض إلى منصة لفرض الوقائع بالقوة العسكرية. لذلك يبدو أن الخيار اللبناني سيتجه نحو الاستمرار في المشاركة في الجولات المقبلة، ولكن من دون رفع سقف التوقعات، مع محاولة الاستفادة من الدور الأميركي للحفاظ على الحد الأدنى من الضوابط ومنع إسرائيل من تحويل التصعيد إلى حرب مفتوحة.

وفي الوقت نفسه، سيواصل لبنان التمسك بفصل المسار التفاوضي عن الضغوط العسكرية، مع السعي إلى تحميل إسرائيل مسؤولية أي تعطيل أو تأخير أمام المجتمع الدولي ، وعدم منحها فرصة الظهور بمظهر الطرف الراغب في التسوية.

كما أن الرهان اللبناني سيبقى قائماً على أن المتغيرات السياسية داخل إسرائيل بعد الانتخابات قد تفتح نافذة مختلفة، سواء عبر تبدل في موازين القوى الداخلية أو من خلال استعداد الحكومة الجديدة، أياً يكن شكلها، لإعادة تقييم سياستها التفاوضية.

لكن حتى ذلك الحين، لا يبدو أن المفاوضات ستشهد اختراقات حقيقية. فالمسار مرشح للاستمرار شكلياً، فيما يبقى مضمونه مجمداً، وتتحول كل جولة جديدة إلى وسيلة لإدارة الوقت أكثر منها مناسبة لإنتاج الحلول. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة ستتسم باستمرار لعبة شد الحبال بين التصعيد الميداني والتهدئة السياسية، بانتظار أحداث المنطقة.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا