استضافت وزارة الزراعة لقاءً تشاوريًّا وطنيًّا برعاية وزير الزراعة نزار هاني وحضوره، وحضور وزير العمل محمد حيدر، لمناقشة "واقع العمالة الزراعية في لبنان وآفاق تنظيمها وتطويرها"، بمشاركة المديرة الإقليمية لمنظمة العمل الدولية للدول العربية الدكتورة رُبى جرادات، ممثلة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في لبنان نورا أورابح حداد، ممثلين عن النقابات الزراعية ومهتمين.
يأتي هذا اللقاء، بحسب بيان، في إطار الشراكة بين وزارتي الزراعة والعمل، وبالتعاون مع المنظمات الدولية، لإطلاق مسار وطني متكامل يهدف إلى تنظيم سوق العمل الزراعي، وتحديث الأطر التشريعية والتنظيمية، وتعزيز الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاع، بما يضمن استدامة الإنتاج الزراعي، ويرفع تنافسية الزراعة اللبنانية، ويعزز الأمن الغذائي الوطني. وقد شكّل منصةً حواريةً لتشخيص واقع العمالة الزراعية والتحديات التي تواجهها، ولا سيما العمالة الموسمية، وبحث السبل الكفيلة بإرساء منظومة متكاملة توازن بين حماية حقوق العمال وتأمين احتياجات القطاع الزراعي، مع مراعاة أوضاع المزارعين وقدرتهم على الاستمرار في الإنتاج.
وركّزت النقاشات على وضع آليات عملية لتنظيم العمالة الزراعية الموسمية، من خلال تبسيط إجراءات تسجيل العمال خلال مواسم الزراعة والقطاف، وتحديد المناطق والقطاعات التي تعاني نقصًا في اليد العاملة، وتنظيم انتقال العمال بين المناطق وفق الاحتياجات الموسمية، وضبط العمالة غير النظامية بما يحفظ انتظام المواسم الزراعية ويضمن استمرارية الإنتاج.
وبحث المشاركون في تطوير إطار قانوني واضح لعقود العمل الزراعية الموسمية، يحدد الحقوق والواجبات والأجور وساعات العمل وشروط السكن ومتطلبات السلامة والصحة المهنية، إضافة إلى دراسة إمكان توفير تغطية صحية أو نظام تأمين مبسّط للعاملين الموسميين، وتعزيز الإجراءات الرامية إلى الحد من تشغيل الأطفال في الأعمال الزراعية الخطرة.
وتناولوا آليات إدماج المزارعين والعاملين في القطاع الزراعي ضمن أنظمة الحماية الاجتماعية، والاستفادة من سجل المزارعين في وزارة الزراعة لتحديد المستفيدين وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، مع العمل على إعداد نظام اشتراكات مرن يراعي خصوصية النشاط الزراعي وطبيعته الموسمية. وأكدوا أهمية تحفيز الشباب اللبناني على الانخراط في القطاع الزراعي، عبر إطلاق برامج تدريب وتشغيل مشتركة في مجالات الزراعة الحديثة، والمكننة، والتوضيب، والتبريد، والتسويق الزراعي، وربط مراكز التدريب والمدارس الزراعية باحتياجات سوق العمل، إلى جانب توفير حوافز للمؤسسات الزراعية التي تعتمد التوظيف النظامي للشباب اللبناني.
وناقش المشاركون سبل تنظيم العمالة الأجنبية وفق الاحتياجات الفعلية للقطاع الزراعي، بما يحقق التوازن بين متطلبات الإنتاج واحترام القوانين، مع تبسيط الإجراءات للمزارعين الملتزمين، وتشديد الرقابة على الوسطاء ومكافحة الاستغلال والاتجار بالبشر، وإنشاء قاعدة بيانات مشتركة بين وزارتي الزراعة والعمل لتحديد الاحتياجات الموسمية بدقة، بما يحول دون تحميل صغار المزارعين أعباء مالية أو إدارية إضافية.
وتطرقت المناقشات إلى تنظيم المهن الزراعية وسلاسل الإنتاج، من خلال إعداد توصيف مهني للعامل الزراعي والفني الزراعي ومشغلي الآلات والعاملين في مراكز التوضيب والتبريد والمسالخ، واعتماد شهادات كفاءة مهنية لبعض الاختصاصات، وتنظيم عمل المتعهدين والوسطاء الذين يؤمّنون فرق العمال الزراعيين.
كما جرى التشديد على ضرورة إعداد دليل وطني موحد للسلامة والصحة المهنية في المزارع والمسالخ ومراكز التوضيب والتبريد، وتدريب العمال على الاستخدام الآمن للمبيدات والمعدات الزراعية ووسائل الوقاية الشخصية، واعتماد إجراءات واضحة للوقاية من الحوادث والإبلاغ عنها.
خطوات تنفيذية لترجمة التوصيات إلى واقع
واتفق المشاركون على مجموعة من الخطوات العملية، أبرزها تشكيل لجنة مشتركة بين وزارتي الزراعة والعمل لمتابعة تنفيذ التوصيات، وإطلاق نموذج تجريبي لتسجيل العمالة الزراعية الموسمية في عدد من المحاصيل أو المناطق، والعمل على إعداد مذكرة تفاهم تربط سجل المزارعين ببرامج التدريب والتشغيل والحماية الاجتماعية، بما يؤسس لمنظومة متكاملة لإدارة سوق العمل الزراعي في لبنان.
هاني
من جهته، أكد هاني أن "تنظيم العمالة الزراعية لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها متطلبات التنمية الزراعية والأمن الغذائي"، مشددًا على أن "الوزارة تنظر إلى هذا الملف كأحد المحاور الأساسية للإصلاح الزراعي"، وقال: "نسعى إلى بناء سوق عمل زراعي حديث ومنظم، يحمي العامل الزراعي ويصون كرامته وحقوقه، وفي الوقت نفسه يراعي واقع المزارعين وقدرتهم على الإنتاج والاستثمار. فالزراعة لا يمكن أن تكون مستدامة من دون عامل يتمتع بالحماية، ولا من دون مزارع قادر على الاستمرار في أرضه ومواجهة التحديات الاقتصادية".
وختم: "نعمل بالشراكة مع وزارة العمل والمنظمات الدولية والنقابات والقطاع الخاص على وضع سياسات عملية قابلة للتنفيذ، ترتكز على العدالة الاجتماعية، والتنظيم، والكفاءة، وتفتح المجال أمام الشباب اللبناني للانخراط في القطاع الزراعي، بما يعزز تنافسية الزراعة اللبنانية ويكرّسها ركيزة أساسية للأمن الغذائي والتنمية الريفية".
حيدر
من جهته، أكد حيدر أن "تطوير سوق العمل الزراعي يتطلب تعاونًا وثيقًا بين مختلف المؤسسات المعنية، وأن تنظيم العمالة الزراعية يشكل مدخلًا أساسيًا لتعزيز الإنتاج وحماية حقوق العاملين"، وقال: "نعمل مع وزارة الزراعة على إرساء إطار تنظيمي عصري يضمن تطبيق معايير العمل اللائق، ويوفّر الحماية القانونية والاجتماعية للعاملين، ويواكب في الوقت نفسه احتياجات القطاع الزراعي، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية الإنسان المنتج".
واختُتم اللقاء بتأكيد أن تنظيم العمل الزراعي يمثل مسؤولية وطنية مشتركة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد تعاونًا وثيقًا بين الوزارات والإدارات الرسمية والمنظمات الدولية والنقابات والقطاع الخاص، لترجمة مخرجات اللقاء إلى إجراءات عملية تضمن بناء سوق عمل زراعي أكثر تنظيمًا وعدالة وكفاءة، يحمي العامل، ويدعم المزارع، ويؤمّن استدامة الإنتاج، ويعزز الأمن الغذائي في لبنان.