في 7 آب 2025، رفعت الحكومة برئاسة نواف سلام سقفها إلى الحد الأقصى ، وقالت للبنانيين والخارج بوضوح: "السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة". لم يكن الكلام يومها موقفاً عابراً، بل قُدّم باعتباره قراراً سيادياً يؤسس لمرحلة جديدة. مرّ عامٌ كامل، فأين القرار؟ وأين الدولة؟ السلاح بقي خارجها، والتنفيذ بقي حبراً على ورق.
عامٌ كامل كان كافياً لكشف
الفجوة الهائلة بين اتخاذ القرار والقدرة على تنفيذه، فما الذي فعلته الحكومة فعلياً منذ 7 آب 2025؟ هل استطاعت فرض حصرية السلاح؟ هل منعت استخدامه خلال الحرب الجديدة التي اندلعت في 2 آذار الماضي وما زالت مستمرة حتى اليوم؟ والأهم: هل كانت
السلطة التنفيذية تمتلك أصلاً الأدوات التي تسمح لها بتحويل قرار بهذا الحجم إلى واقع؟
المشكلة ليست في شعار "حصرية السلاح"، فهو مطلب أساسي لبناء
أي دولة فعلية. المشكلة أن الحكومة رفعت الشعار إلى أعلى السقوف من دون أن تثبت أنها قادرة على بلوغه. وهنا، تحديداً تكمن المسؤولية: لا يجوز لسلطة أن تتبجّح بقرارات سيادية أمام الخارج، ثم تقف عاجزة عن تنفيذها في الداخل.
حين تتخذ الحكومة قراراً بهذا الحجم، عليها أن تكون على قدره. السيادة ليست بياناً، وهيبة الدولة لا تُصنع فقط في جلسة لمجلس الوزراء، وحصرية السلاح لا تتحقق بجملة تُكتب ثم تُركن في الأدراج. فإما أن يكون القرار مقدمة لمسار تنفيذي واضح، وإما أن يتحول إلى شاهد على عجز السلطة نفسها.
الانتقاد هنا ليس استهدافاً للحكومة، بل محاسبة لها على قرار هي من اتخذته ورفعت سقفه. المطلوب اليوم ليس
التراجع عن حصرية السلاح، بل العكس تماماً.. المطلوب إثبات أن الدولة قادرة على الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، وفتح كل القنوات الداخلية والخارجية اللازمة للوصول إلى هذا الهدف.
من دون أدنى شك، لقد دفع اللبنانيون أثماناً قاسية، وذاقوا مرارة الحرب والدمار والخوف والنزوح، ولذلك بات من حقهم أن يسألوا: لماذا تتخذ الحكومة قراراً لا تستطيع تنفيذه؟ ولماذا ترفع سقفاً سيادياً بهذا الحجم إذا لم تكن تمتلك خطة واضحة للوصول إليه؟
بشكل حاسم، القرارات السيادية لا تُتخذ للاستهلاك السياسي، ولا لإظهار صورة القوة أمام الخارج فيما يظهر العجز في الداخل. واقعياً، ما حصل خلال الأشهر الماضية قدّم الدليل الأقسى: اندلعت حرب جديدة في
جنوب لبنان ، واستُخدم السلاح مجدداً خارج إطار الدولة، فيما بقي قرار 7 آب عاجزاً عن فرض نفسه على الأرض. هذه ليست مجرد ثغرة في أداء الحكومة، بل فشل سياسي يُسجّل في حسابها.
في الوقت نفسه، فإنّ المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها، فـ"
حزب الله "، الذي رفض القرار وتمسّك بسلاحه خارج إطار الدولة، يتحمل بدوره مسؤولية مباشرة عن تعطيل مسار حصرية السلاح. "الحزب" لم يكتفِ برفض القرار، بل أصرّ على واقعٍ مسلح موازٍ للدولة، رغم كل ما أصاب
لبنان خلال الحروب المتلاحقة.
وهنا أيضاً يجب طرح الأسئلة بلا مواربة: ما الهدف اليوم من بقاء هذا السلاح خارج الدولة؟ وما الجدوى من ترسانة قيل طويلاً إنها تحمي لبنان، فيما عاش البلد حرباً جديدة ودماراً وخسائر واحتلالاً؟
كان يمكن للحكومة منذ البداية أن تختار مساراً مختلفاً: استراتيجية دفاعية، حواراً وطنياً جدياً، جدولاً زمنياً واقعياً أو معالجة تدريجية تقود إلى النتيجة نفسها، لكنها اختارت رفع عنوان "حصرية السلاح" إلى أعلى مستوى، وقدمت نفسها باعتبارها السلطة القادرة على فرضه. وحين ترفع السلطة السقف بهذا الشكل ثم تعجز عن الوصول إليه، يصبح من حق اللبنانيين محاسبتها.
اليوم، لا يحتاج لبنان إلى استعراضات جديدة وارتباطات بمحاور كما يفعل "حزب الله" ولا إلى قرارات "هوليوودية" كما فعلت الحكومة. لبنان أيضاً لا يحتاج بالتأكيد إلى مواجهة داخلية تزيد البلد خراباً فوق خرابه. ما يحتاج إليه هذا الوطن الجريح هو حوار جدي، وسياسة واضحة، وتحرر من المحاور، وخطة عملية تحوّل "حصرية السلاح" من شعار حكومي إلى مسار قابل للتنفيذ.
الحكومة مطالبة بأن تتوقف عن الاكتفاء بإعلان ما تريد، وأن تبدأ بإثبات ما تستطيع فعله. أيضاً، "حزب الله" مطالب، في المقابل، بأن يقرأ نتائج الحروب التي خاضها وأن يسأل نفسه بجدية عن مصير سلاحه وجدواه وموقعه في دولة يُفترض أن تكون صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم.
وبين حكومة رفعت سقفاً ولم تصل إليه، وحزبٍ تمسّك بسلاح لم يمنع الحرب، يبقى اللبناني هو من يدفع الثمن. حتماً، علينا أن نتّعظ جميعاً مما حصل، ولتأخذ الدولة أخيراً حقها الكامل في أن تكون دولة، لا شريكاً في سيادتها ولا متفرجاً عليها. من دون أي منازع، فإن قوة لبنان الأولى ليست في ترسانة خارج مؤسساته، ولا في بيان حكومي بلا تنفيذ، بل في دولة تقرر وتنفذ، وجيش يحمي، ومؤسسات تفرض القانون على الجميع. عندها فقط يصبح لحصرية السلاح معنى، وعندها فقط لا تكون السيادة شعاراً يُرفع، بل واقعاً يعيشه اللبنانيون.