يعكس الكلام الذي أعلنه الأمين العام ل حزب الله الشيخ نعيم قاسم بشأن الاستعداد للقاء المسؤولين في سوريا والانفتاح على العلاقة مع النظام السوري الجديد، بعد أيام من تصريحات وزير الخارجية السوري التي حملت بدورها إشارات مماثلة، أن الفريقين يحاولان الانتقال من مرحلة القطيعة السياسية والنفسية إلى مرحلة جديدة عنوانها إدارة المصالح.
اللغة التي استخدمت من الجانبين لم تتضمن عودة إلى الخطاب التقليدي الذي حكم العلاقة بين دمشق وحزب الله طوال سنوات الحرب السورية، لكنها في الوقت نفسه لم تغلق الباب أمام إعادة بناء قنوات التواصل وفق قواعد مختلفة تفرضها التحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة.
في السنوات الماضية، كانت العلاقة بين حزب الله والنظام السوري السابق تقوم على شراكة استراتيجية متكاملة، حيث شكلت سوريا العمق الجغرافي والسياسي والعسكري للمقاومة، فيما اعتبر الحزب أن الدفاع عن النظام السوري جزء من معركة الدفاع عن محور المقاومة بأكمله. إلا أن سقوط النظام السابق ووصول سلطة جديدة إلى دمشق قلب المعادلة بالكامل، إذ وجدت القيادة السورية الجديدة نفسها أمام واقع داخلي وإقليمي ودولي مختلف، وحرصت منذ البداية على إرسال رسائل بأنها لا تريد أن تتحول الأراضي السورية مجددًا إلى ساحة صراع إقليمي أو منصة لصراعات الآخرين.
في المقابل، تعامل حزب الله بحذر مع هذا التحول. فهو يدرك أن السلطة الجديدة جاءت من بيئة سياسية وعسكرية كانت في حالة مواجهة معه لسنوات طويلة، لكنه يدرك أيضاً أن الجغرافيا لا تتغير، وأن لبنان وسوريا يرتبطان بمصالح أمنية وحدودية واقتصادية تجعل استمرار القطيعة الكاملة خيارًا مكلفًا للفريقين.
من هنا يمكن فهم التصريحات الأخيرة باعتبارها محاولة متبادلة لاختبار النيات، فوزير الخارجية السوري تحدث عن الاستعداد لعلاقات طبيعية مع الجميع انطلاقًا من احترام سيادة الدولة السورية، بينما أعلن الشيخ نعيم قاسم استعداده للقاء المسؤولين السوريين إذا كان ذلك يخدم مصلحة البلدين، وبين الموقفين مساحة واسعة يمكن البناء عليها، لأنها تستند إلى مفهوم المصالح المشتركة أكثر مما تستند إلى الروابط الأيديولوجية التي كانت تحكم المرحلة السابقة.
المصلحة السورية تبدو واضحة إلى حد بعيد، فالقيادة الجديدة تسعى إلى تثبيت شرعيتها الداخلية والخارجية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة السيطرة الكاملة على الحدود، ومنع أي نشاط قد يُستخدم ذريعةً لممارسة ضغوط دولية إضافية عليها. كما أن دمشق تدرك أن استقرار الحدود اللبنانية السورية يمثل شرطًا أساسيًّا لضبط الأمن ومكافحة التهريب وتنشيط الحركة الاقتصادية، وهي ملفات لا يمكن معالجتها من دون تفاهم مع القوى اللبنانية المؤثرة، وفي مقدمتها حزب الله.
أما مصلحة الحزب، فتختلف في بعض التفاصيل لكنها تلتقي مع الأهداف السورية في نقاط عديدة. فهو يحتاج إلى علاقة مستقرة مع دمشق لأن سوريا تبقى الجار الوحيد للبنان، ولأن أي توتر دائم على الحدود سينعكس مباشرة على البيئة اللبنانية وعلى التوازنات الأمنية. كما أن الحزب يدرك أن الدخول في مواجهة سياسية مفتوحة مع السلطة السورية الجديدة لن يحقق له مكاسب، بل قد يضيف تحديًا جديدًا إلى سلسلة الضغوط التي يواجهها داخليًّا وإقليميًّا.
لكن هذا لا يعني أن العلاقة ستعود إلى ما كانت عليه قبل عام 2024. فالسلطة السورية الجديدة تحاول بناء سياسة خارجية أكثر توازنًا، تقوم على تنويع العلاقات العربية والدولية، وتجنب الانخراط الكامل في أي محور إقليمي. وفي المقابل، فإن حزب الله لا يزال يعتبر نفسه جزءًا من محور المقاومة، ما يعني أن التباين السياسي سيبقى قائمًا حتى لو نجح الفريقان في إدارة العلاقة عمليًا، لذلك، يبدو أن أفضل ما يمكن تحقيقه حاليًا هو مجرد وجود علاقة مؤسساتية قائمة على التنسيق في الملفات المشتركة.
يبدو بحسب متابعين أن التصريحات المتبادلة أقرب إلى إعلان بداية مرحلة اختبار طويلة، فالفريقان مقتنعان بأن القطيعة لم تعد تخدم أحدًا، لكنهما يدركان أيضًا أن بناء الثقة يحتاج إلى وقت. وعليه، فإن العلاقة بين حزب الله وسوريا الجديدة ستكون علاقة براغماتية تحكمها المصالح المشتركة وإدارة الخلافات، فهل تنجح هذه العلاقة أم تنفجر عند أول امتحان جدي؟
المصدر:
النشرة