لم يكن إعلان
الأمين العام لـ"
حزب الله "، الشيخ نعيم قاسم، عدم وجود أي مانع أمام عقد لقاء مع القيادة
السورية مجرد موقف سياسي عابر، بل حمل، في توقيته ودلالاته، رسالة واضحة مفادها أن العلاقة بين دمشق و"حزب الله" قد تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من إدارة القطيعة التي فرضتها ظروف السنوات الماضية إلى البحث في آليات إعادة التواصل، وفق حسابات المصالح المشتركة والتوازنات الإقليمية المستجدة.
ولم تقتصر رسالة قاسم على إبداء الاستعداد للقاء، بل رسمت إطارًا سياسيًا للعلاقة المستقبلية، عندما أكد أن استقرار
لبنان وسوريا مترابط، وأن
سوريا المستقرة تشكل سندًا للبنان، كما أن استقرار لبنان يمثل مصلحة مباشرة لسوريا. وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة، لأنها لم تأتِ بمعزل عن مواقف سورية سابقة عكست الاتجاه نفسه.
فقد سبق لوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، أن أعلن، من لبنان، استعداد دمشق للقاء "حزب الله" إذا اقتضت المصالح المشتركة ذلك، فيما أكد الرئيس السوري أحمد
الشرع ، في أكثر من مناسبة، أن الحوار مع الحزب يبقى خيارًا مطروحا متى كان يخدم مصلحة سوريا ولبنان، رغم الخلافات العميقة التي نشأت بين الطرفين خلال السنوات الماضية.
وبذلك، تبدو الرسائل الصادرة من الجانبين وكأنها ترسم مسارًا سياسيًا متدرجًا يهدف إلى تهيئة الأرضية لإعادة التواصل، علمًا أن المحاولات الأميركية لم تتوقف لدفع سوريا إلى لعب دور في مواجهة "حزب الله". فقد ألمح الرئيس الأميركي
دونالد ترامب إلى إمكانية اضطلاع الرئيس الشرع بهذا الدور، إلا أن دمشق سارعت إلى نفي أي نية للتدخل العسكري في لبنان، كما أكد الشرع أن الحديث عن دخول القوات السورية إلى الأراضي
اللبنانية لا أساس له من الصحة.
وتشير أوساط سياسية مطلعة إلى أن العقبة السياسية أمام عقد اللقاء تكاد تكون قد أزيلت، بعدما عكست الاتصالات غير المباشرة والرسائل الإعلامية المتبادلة خلال الأشهر الأخيرة رغبة واضحة في طي صفحة التوتر. لذلك، لم يعد النقاش يدور حول مبدأ اللقاء بقدر ما يتركز على موعده، ومستوى التمثيل فيه، والملفات التي سيبحثها، وفي مقدمها أمن الحدود، ومستقبل العلاقات الثنائية، والتطورات الإقليمية.
ويأتي هذا الانفتاح في ظل إدراك دمشق أن البيئة الإقليمية تبدلت بصورة كبيرة. فالقيادة السورية، التي لا تزال تواجه تحديات داخلية معقدة، تدرك أن أولويتها تتمثل في تثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وليس الانخراط في مواجهات إقليمية جديدة.
وتؤكد مصادر متابعة أن الضغوط التي يتعرض لها الرئيس أحمد الشرع من أجل مواجهة "حزب الله" لن تستهدف فقط إضعاف الحزب، بل قد تؤدي أيضًا إلى استنزاف سوريا وإدخالها في صراع جديد قبل أن تستعيد عافيتها السياسية والاقتصادية. فالسلطة السورية لا تزال تعمل على توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية في ظل وجود تشكيلات متعددة، كما أن الدعم العربي لم يصل بعد إلى مستوى يوفر مظلة اقتصادية كافية لإنعاش الاقتصاد ودعم الجيش، بما يسمح لدمشق بتحمل كلفة أي مواجهة إقليمية مفتوحة.
ومن هذا المنطلق، تبدو القيادة السورية مقتنعة بأن أي صدام مع "حزب الله" لن يحقق مصالحها، بل سيحوّل الأراضي السورية إلى ساحة استنزاف جديدة، ويمنح
إسرائيل فرصة لتعزيز حضورها العسكري والأمني، فضلًا عن تهديد الاستقرار الداخلي الذي لا يزال هشًا.
وفي هذا السياق، يبرز العامل
التركي بوصفه أحد أبرز المؤثرين في القرار السوري. فأنقرة، التي تُعد الداعم الإقليمي الأساسي للإدارة السورية الحالية، تعارض بوضوح أي مواجهة بين دمشق و"حزب الله"، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الأمن القومي التركي يبدأ من استقرار سوريا ولبنان، وأن فتح جبهة جديدة لن يؤدي إلا إلى تعزيز النفوذ
الإسرائيلي وإرباك التوازنات التي تعمل تركيا على ترسيخها في المنطقة.
وتذهب بعض الأوساط إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن أنقرة لا تنظر إلى "حزب الله" بوصفه خصمًا مباشرًا، بل ترى أن استمرار المقاومة يبقى مرتبطًا باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية، وهو ما يفسر تشجيعها دمشق على اعتماد الحوار والانفتاح بدلًا من المواجهة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو الشرع والشيباني وقاسم جزءًا من مسار سياسي واحد، يقوم على إعادة تنظيم العلاقة بين دمشق و"حزب الله" بما ينسجم مع التحولات الإقليمية الجارية، فيما يبدو أن المرحلة المقبلة ستنصرف إلى استكمال الترتيبات السياسية واللوجستية التي تسبق أي لقاء رسمي، إذا ما توافرت الإرادة لدى الطرفين.
وعليه، يبقى السؤال الأساسي حول نتائج اللقاء المحتمل وانعكاساته. فإذا نجح الطرفان في فتح صفحة جديدة، فلن يقتصر الأمر على إعادة وصل ما انقطع بين دمشق و"حزب الله"، بل قد يشكل ذلك مؤشرًا إلى ولادة مرحلة إقليمية مختلفة، تُعاد فيها صياغة التحالفات وفق منطق المصالح والوقائع الجديدة، بما ينسجم مع التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.