آخر الأخبار

خطر صامت تحت الأرض... كيف تهدد التفجيرات الإسرائيلية المياه الجوفية والتربة في جنوب لبنان؟

شارك
لا تتوقف آثار الحروب عند حدود الدمار الذي يصيب المنازل والطرقات والبنى التحتية، بل تمتد بصمت إلى ما هو أخطر، وهو البيئة التي تشكّل أساس الحياة. فالمياه الجوفية التي تروي القرى، والتربة الزراعية التي تؤمّن الغذاء، قد تحمل لسنوات طويلة آثار التفجيرات والقصف، بما يهدد الأمن المائي والزراعي والصحي في جنوب لبنان . فهل باتت الموارد الطبيعية في الجنوب ضحية صامتة للحرب، وما حجم المخاطر التي قد تواجهها في السنوات المقبلة؟
في هذا السياق، يحذّر الأستاذ الجامعي والباحث في علوم المياه الجوفية، الدكتور سمير زعاطيطي، في حديث لـ " لبنان 24 "، من التداعيات البيئية التي قد تخلّفها التفجيرات الإسرائيلية في جنوب لبنان ، معتبرًا أن آثارها لا تقتصر على الدمار الذي يصيب المنازل والبنى التحتية، بل تمتد إلى الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها المياه الجوفية والتربة الزراعية، اللتان تشكلان ركيزة أساسية لحياة سكان الجنوب.
ويشير زعاطيطي إلى أن المنطقة الحدودية تضم عشرات الآبار التي جرى حفرها منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي لمعالجة أزمة شحّ المياه، لافتًا إلى أنه أشرف بين عامي 1994 و1997 على حفر نحو 40 بئرًا، تمتد من الناقورة وصولًا إلى كفرحمام في جبل الشيخ، بعدما كانت قرى حدودية عدة، مثل رميش ودبل، تعاني نقصًا حادًا في المياه. إلا أن مصير هذه الآبار، بحسب قوله، لا يزال مجهولًا في ظل حجم الدمار الذي طال القرى الحدودية.
مخاطر على المياه الجوفية
ويوضح زعاطيطي أن جنوب لبنان يعتمد على مخازن جوفية من النوع الكارستي، وهي صخور كربوناتية صلبة تتخللها شقوق وكسور وفراغات تسمح بتخزين المياه وانتقالها داخل باطن الأرض. وبحسب قوله، فإن هذه الطبيعة الجيولوجية تجعل المنطقة أكثر حساسية تجاه التفجيرات، إذ قد تؤدي الموجات الصدمية إلى تغيير البنية الطبيعية للمخزن الجوفي، عبر إغلاق بعض الشقوق وفتح أخرى، ما يغيّر مسارات المياه ومناطق تغذية الآبار والينابيع، وقد يتسبب في جفاف بعض الآبار أو انخفاض إنتاجيتها.
ويضيف أن الخطر لا يقتصر على التغييرات الجيولوجية، بل يشمل أيضًا احتمال تلوث المياه الجوفية بالمواد الكيميائية الناتجة عن المتفجرات. فبقايا هذه المواد قد تبقى على سطح الأرض، ثم تنقلها مياه الأمطار عبر التربة لتتسرب تدريجيًا إلى الخزان الجوفي، ما يؤدي إلى تدهور نوعية المياه.
ويؤكد أن هذا التلوث لا يحدث بسبب وصول الموجات الصدمية إلى أعماق المياه، إذ يتراوح عمق معظم الآبار بين 350 و700 متر، وإنما نتيجة انتقال الملوثات عبر التربة مع مرور الوقت.
ويلفت إلى أن تجارب مخبرية أجراها سابقًا أظهرت وجود نسب مرتفعة من النترات في أحد الآبار التي خضعت للدراسة في منطقة عرسال، رغم أن المياه كانت تبدو سليمة ظاهريًا. ويوضح أن ارتفاع تركيز النترات يشكل خطرًا صحيًا، لأنه يؤثر في قدرة الدم على نقل الأكسجين، وقد يؤدي إلى الإصابة بما يُعرف بـ"متلازمة الطفل الأزرق" لدى الرضع. ويضيف أن النترات ليست مصدر القلق الوحيد، إذ قد تتسبب بقايا المواد المتفجرة أيضًا في تلويث المياه الجوفية إذا وصلت إليها.
دعوة إلى مسح علمي شامل
ويشدد زعاطيطي على أن تقييم حجم الضرر البيئي يجب أن يستند إلى نتائج علمية، لا إلى التخمين أو التقديرات، منتقدًا غياب أي إعلان رسمي عن إجراء تحاليل للمياه أو التربة في المناطق التي تعرضت للقصف. كما أبدى استغرابه من عدم صدور نتائج رسمية تؤكد سلامة المياه، معتبرًا أن عودة الأهالي إلى استخدام مياه الآبار والينابيع يجب أن تسبقها فحوصات مخبرية دقيقة.
ودعا وزارة البيئة والجهات المختصة إلى إجراء مسح ميداني شامل للمياه الجوفية والتربة في المناطق المتضررة، ونشر نتائج التحاليل بشفافية أمام الرأي العام.
وأشار أيضًا إلى أن خطورة الوضع تكمن في طبيعة المخازن الجوفية الكارستية، التي تتميز بترابطها الهيدرولوجي، ما يعني أن أي تلوث قد لا يبقى محصورًا في موقع محدد، بل يمكن أن ينتقل مع حركة المياه إلى مناطق أخرى، الأمر الذي يجعل أي ضرر يصيب هذه المخازن ذا انعكاسات واسعة على الموارد المائية.
وختم زعاطيطي بالتأكيد أن ما خلّفته التفجيرات الإسرائيلية لا يقتصر على تدمير المنازل والبنى التحتية، بل يشكل أيضًا اعتداءً على البيئة والموارد الطبيعية والأراضي الزراعية، داعيًا إلى تحرك رسمي عاجل لإجراء مسح علمي شامل للتربة والمياه الجوفية والآبار في المناطق المتضررة، بمشاركة الجامعات، وفي مقدمتها الجامعة اللبنانية ، والخبراء والمختبرات المتخصصة، ونشر نتائج الفحوصات بشفافية، محذرًا من أن تجاهل هذا الملف قد يترك آثارًا بيئية وصحية وزراعية تمتد لسنوات طويلة.
التربة أيضًا في دائرة الخطر
ولا تقتصر الأضرار الناجمة عن القصف على المياه الجوفية، بل تمتد أيضًا إلى التربة الزراعية، التي تشكل أحد أهم مقومات الأمن الغذائي في جنوب لبنان.
وفي هذا الإطار، يوضح أستاذ علم التربة وتغذية النبات في كلية العلوم الزراعية والغذائية في الجامعة الأميركية في بيروت ، الدكتور عصام بشور، في حديث لـ "لبنان 24"، أن التربة هي الوسط الطبيعي لإنتاج الغذاء، وتتكوّن نتيجة تفكك الصخور والمعادن عبر آلاف السنين. ويشير إلى أنه في منطقتنا يستغرق تكوّن ما بين سنتيمترين وثلاثة سنتيمترات من التربة الخصبة نحو ألف عام، ما يجعلها موردًا طبيعيًا غير متجدد يجب حمايته من التلوث والانجراف.
ويؤكد أن تربة الجنوب تُعد من أكثر الأراضي خصوبة وإنتاجًا، إذ تحتضن مساحات واسعة من الخضار والحبوب والأشجار المثمرة، إلا أن الحرب الإسرائيلية، بما رافقها من قصف وتجريف، ستترك آثارًا ضارة على هذه التربة، يصعب تحديد حجمها قبل إجراء تحاليل علمية لعينات من التربة والمياه والنباتات، للكشف عن المواد الكيميائية التي استخدمت خلال العمليات العسكرية، سواء الناتجة عن الذخائر الحارقة أو السامة أو المتفجرات.
ويشير بشور إلى أن عمليات التجريف التي تقضي على الطبقة السطحية الخصبة من التربة تُعد من أخطر الممارسات، لأنها تدمّر الجزء المنتج الذي استغرق تكوينه قرونًا طويلة. كما أن ضغط التربة بفعل الآليات الثقيلة يسبب أضرارًا على السطح وفي الطبقات السفلية، ويمنع انتشار جذور النباتات، ما ينعكس سلبًا على نموها وإنتاجيتها.
ويخلص إلى أن استمرار الحروب لفترات طويلة يؤدي إلى تفاقم الأضرار الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية التي تصيب التربة، ما يهدد مستقبل الإنتاج الزراعي ويجعل عملية استعادة خصوبة الأراضي أكثر صعوبة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا