آخر الأخبار

الحكم والطرف... معركة شرعية الحوار بين الرئاسة وحزب الله

شارك

عندما قال الأمين العام ل حزب الله الشيخ نعيم قاسم إن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون "لم يعمل كحكم وجامع، بل أصبح طرفاً ومفرّقاً"، لم يكن ذلك مجرد انتقاد سياسي للرئيس، بل تعبيراً عن جوهر الخلاف القائم حول شكل الدولة ودورها في المرحلة المقبلة. بالنسبة إلى الرئاسة، فإن ما تقوله علناً هو أنه لا يمكن للدولة أن تستعيد دورها إذا بقيت قراراتها السيادية خاضعة لموافقة أي طرف داخلي، مهما كان موقعه أو حجمه. أما بالنسبة إلى الحزب، فيعتبر أن تجاوز قوى أساسية في المجتمع ال لبنان ي في قضايا مصيرية، يضع الدولة في قفص اتهام التحرك بمنطق الغلبة السياسية أو تحت تأثير ضغوط خارجية، بدلًا من أن تكون مساحة جامعة لكل اللبنانيين. فهل كان من الأفضل أن يبدأ العهد بحوار وطني شامل قبل الانتقال إلى خطوات تفاوضية مباشرة؟

يرى مؤيدو هذا الخيار أن الحوار الوطني كان سيمنح الرئيس عون موقعاً سياسياً أكثر قوة، لا لأنه يمنح أي طرف حق تعطيل قرار الدولة، بل لأنه يثبت أن الدولة سعت أولاً إلى بناء تفاهم داخلي قبل الانتقال إلى خطوات حساسة. وحتى في حال فشل الحوار، كان يمكن أن يتحول ذلك إلى عنصر قوة للرئاسة، إذ تصبح مسؤولية التعثر أو الرفض أكثر وضوحاً، ويصبح الانتقال إلى خيارات بديلة قائماً على مسار استنفدت فيه فرص التوافق.

في المقابل، هناك من يرى أن البدء بحوار قبل تحرك الدولة يحمل مخاطر مختلفة. ففتح نقاش مسبق حول ملفات سيادية قد يفهم على أنه إقرار بوجود طرف آخر يشارك الدولة حق تحديد خياراتها الاستراتيجية. وانطلاقاً من ذلك، فإن تثبيت مرجعية الدولة يتطلب ممارسة صلاحياتها أولاً، ثم إدارة الحوار حول آليات التنفيذ وليس حول أصل الحق في اتخاذ القرار. لكن هذا المنطق يواجه تحدياً في الحالة اللبنانية تحديداً حيث لا تكفي الشرعية الدستورية وحدها لإنجاح القرارات الكبرى. فالدولة تحتاج أيضاً إلى قدرة على إدارة الانقسامات الداخلية وتأمين غطاء سياسي أوسع، لأن قوة القرار هي في القدرة على تحويله إلى واقع مقبول.

لكن النقاش لا يتوقف عند جدوى الحوار أو توقيته، بل يمتد إلى طبيعة الدور الذي يريد حزب الله أن يلعبه رئيس الجمهورية في المرحلة المقبلة، خصوصاً أنه يدرك أن الرئيس يبقى لاعباً أساسياً في أي معادلة داخلية تتعلق بمستقبل لبنان، وأن أي تسوية طويلة الأمد لا يمكن أن تمر من دون غطاء لبناني رسمي. وتزداد أهمية هذا الدور عند النظر إلى الفارق بين موقع الرئاسة اللبنانية ومواقع القوى الخارجية المؤثرة في الملف اللبناني، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية ، فحتى عند إدارة تفاهمات أو مفاوضات على المستوى الإقليمي والدولي، يبقى تطبيق أي ترتيبات داخل الساحة اللبنانية مرتبطاً بالمؤسسات الرسمية. لذلك فإن الحزب، رغم انتقاده الشديد للرئيس، يحرص في الوقت نفسه على إبقاء باب الحوار معه مفتوحاً، فالمعادلة بالنسبة إليه لا تقوم على تجاوز الرئاسة، بل على إبقائها جزءاً من أي ترتيبات داخلية مقبلة.

تكشف هذه المسألة أن الخلاف بين الرئاسة وحزب الله لا يدور فقط حول ملفات محددة، بل عما إذا كان الرئيس يشكّل مدخلاً لإعادة صياغة القرار اللبناني من خلال تثبيت مرجعية الدولة، أم يكون شريكاً في إدارة التوازنات القائمة تمهيداً لأي تغيير محتمل. وربما هنا تكمن أهمية كلام الشيخ قاسم، فهو لا يعكس مجرد اعتراض سياسي على موقف معيّن، بل يعبر عن انتقال العلاقة بين الفريقين إلى مرحلة اختبار حول وظيفة الرئاسة نفسها ودورها في رسم مستقبل الدولة.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا