تتجاوز المقاربة التي يعتمدها لبنان الرسمي في هذه المرحلة حدود إدارة الأزمات اليومية إلى محاولة إعادة صوغ فلسفة الدولة في التعامل مع التحديات الوجودية التي تواجهها البلاد، وفي مقدمها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، وتداعيات الحرب الأخيرة، والانهيار الاقتصادي الذي ما زالت البلاد تعمل على تجاوز آثاره. فالمواقف التي تصدر عن السلطات الدستورية لا سيما رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تعكس رؤية متكاملة تسعى إلى نقل لبنان من مرحلة إدارة الصراعات إلى مرحلة إدارة الحلول، ومن منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق تثبيت الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة القادرة على حماية السيادة وصناعة الاستقرار.
وتستند هذه المقاربة إلى قراءة عميقة للتحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، حيث تتجه معظم القوى الإقليمية والدولية نحو إعادة ترتيب أولوياتها السياسية والأمنية والاقتصادية بعد سنوات طويلة من الحروب والاستنزاف. وفي هذا السياق، يبدو واضحاً أن لبنان الرسمي يقرأ المتغيرات الإقليمية باعتبارها فرصة ينبغي استثمارها لإعادة تثبيت موقع لبنان داخل منظومة الاستقرار الإقليمي، لا من خلال الانخراط في محاور جديدة، وإنما عبر تعزيز موقع الدولة ومؤسساتها وإطلاق مسار سياسي ودبلوماسي يواكب التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
ومن هنا، يبرز الإصرار على اعتماد الدبلوماسية كخيار استراتيجي لمعالجة أخطر الملفات، وفي مقدمها الاحتلال الإسرائيلي. فالدولة اللبنانية لا تنطلق من منطق التنازل عن الحقوق الوطنية أو القبول بالأمر الواقع، بل من قناعة سياسية مفادها أن الصراعات العسكرية، مهما بلغت حدتها، تنتهي في نهاية المطاف إلى مسارات سياسية وتفاوضية، سواء بعد استنزاف الأطراف المتحاربة أو نتيجة تغير موازين القوى. وبالتالي، فإن الانتقال المبكر إلى العمل السياسي والدبلوماسي يوفر على الدول أثماناً باهظة تدفعها الشعوب من أمنها واقتصادها ومستقبلها، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الثوابت الوطنية أو الحقوق السيادية.
وتحمل هذه المقاربة بعداً آخر يتمثل في استخلاص الدروس من التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية، حيث تحولت البلاد في أكثر من محطة إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، وكانت النتيجة خسائر بشرية واقتصادية ومؤسساتية هائلة. ويبدو أن الرئاسة اللبنانية تسعى إلى ترسيخ قناعة جديدة داخل الحياة السياسية اللبنانية مفادها أن حماية لبنان لا تتحقق بتكرار التجارب التي أثبتت محدودية نتائجها، بل ببناء دولة قوية تمتلك قرارها السيادي، وتتمكن عبر مؤسساتها من إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، بعيداً من منطق المغامرات أو الحسابات التي أثبتت التجربة أنها كثيراً ما كانت أعلى كلفة من قدرة لبنان على الاحتمال.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن المسار الدبلوماسي الذي اعتمدته الدولة اللبنانية خلال الأشهر الأخيرة، سواء في مقاربة ملف الجنوب أو في الانفتاح على العواصم العربية والدولية المؤثرة، أو في إعادة تفعيل شبكة العلاقات الإقليمية. فالتحرك الرئاسي باتجاه العواصم الفاعلة، يعكس إدراكاً بأن تثبيت السيادة اللبنانية لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل يحتاج إلى شبكة دعم سياسية ودبلوماسية قادرة على مرافقة لبنان في تنفيذ الاستحقاقات الكبرى التي تنتظره، وفي مقدمتها تثبيت وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإنهاء الاحتلال، ووعودة النازحين وإعادة الإعمار، واستعادة الثقة الدولية بالدولة اللبنانية.
وفي المقابل، لا ينظر لبنان الرسمي إلى الاستقرار الأمني باعتباره هدفاً قائماً بذاته، بل يعتبره المدخل الطبيعي لاستعادة الدورة الاقتصادية. فالتجربة اللبنانية أثبتت، أكثر من مرة، أن الاقتصاد اللبناني يمتلك قدرة استثنائية على التعافي متى توافرت البيئة السياسية والأمنية المناسبة. ولذلك، فإن التركيز على تثبيت الأمن لا يقتصر على تجنب الحروب، وإنما يهدف إلى إعادة إطلاق عجلة الاستثمار والإنتاج واستقطاب الرساميل والسياحة وإعادة الثقة بالقطاع المالي، وهي عناصر لا يمكن لأي خطة إنقاذ أن تنجح من دونها.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية في ضوء المؤشرات الاقتصادية التي بدأت تظهر خلال المرحلة الماضية، والتي تعكس أن الاقتصاد اللبناني لا يزال يمتلك عناصر قوة كامنة، رغم حجم الانهيار الذي أصابه منذ عام 2019. فالنمو الذي تحقق، إلى جانب تحسن وضع المالية العامة وارتفاع احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، يؤشر إلى أن المشكلة الأساسية لم تعد مرتبطة بقدرة الاقتصاد على النهوض بقدر ما ترتبط بقدرة النظام السياسي على إنتاج الاستقرار. وهذه الرسالة تحمل في طياتها دلالة سياسية واقتصادية واضحة، مفادها أن لبنان لا يحتاج إلى اقتصاد جديد بقدر ما يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة تسمح للاقتصاد باستعادة حيويته الطبيعية.
ومن هنا، يبرز تحول لافت في الخطاب الرسمي، يقوم على الانتقال من ثقافة انتظار المساعدات الخارجية إلى ثقافة استعادة الثقة بالقدرات الذاتية. فبدلاً من تصوير لبنان باعتباره دولة عاجزة لا تستطيع النهوض إلا عبر المؤتمرات الدولية والهبات والقروض، يجري تقديم صورة مختلفة تقوم على أن اللبنانيين يمتلكون الطاقات والخبرات والإمكانات الكفيلة بإعادة بناء اقتصادهم إذا تمكنت الدولة من توفير الحد الأدنى من الاستقرار وحكم القانون والإدارة الرشيدة. وهذا التحول لا يحمل بعداً اقتصادياً فحسب، بل يؤسس أيضاً لاستعادة الثقة بالدولة نفسها، بعدما تراجعت هذه الثقة خلال سنوات الانهيار.
أما في ما يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي، فإن الرؤية اللبنانية تنطلق من الفصل بين ثبات الموقف الوطني ومرونة أدوات العمل السياسي. فالهدف يبقى إنهاء الاحتلال واستعادة كامل الحقوق اللبنانية، لكن الوسيلة الأساسية لتحقيق هذا الهدف باتت تتمثل في تفعيل الأدوات الدبلوماسية والقانونية والسياسية، والاستفادة من شبكة العلاقات الدولية والإقليمية، ومن التحولات التي تشهدها المنطقة، بدلاً من إبقاء لبنان أسير منطق المواجهة الدائمة الذي أثبت أنه يستنزف الدولة أكثر مما يحقق لها مكاسب استراتيجية مستدامة.
وتعكس هذه الرؤية أيضاً قناعة بأن استعادة السيادة مشروع دولة متكامل يبدأ من احتكار المؤسسات الشرعية لقرارها الأمني والسياسي، ويمر عبر بناء اقتصاد قادر على الصمود، وإدارة خارجية متوازنة، وقضاء مستقل، وإدارة عامة فاعلة، وصولاً إلى ترسيخ الثقة الداخلية والخارجية بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. فالسيادة، في المفهوم الذي يطرحه لبنان الرسمي اليوم، هو منظومة متكاملة تتداخل فيها السياسة والأمن والاقتصاد والدبلوماسية.
وفي ضوء ذلك، تبدو المرحلة الراهنة بمثابة محاولة لإعادة تعريف أولويات الدولة اللبنانية بعد عقود من الأزمات المتراكمة. فبدلاً من أن يبقى لبنان ساحة تتلقى نتائج صراعات الآخرين، تسعى السلطة إلى تحويله إلى دولة تستثمر موقعها وعلاقاتها وقدراتها البشرية في صناعة الاستقرار، انطلاقاً من قناعة بأن الحروب لم تنتج للبنان سوى الدمار، فيما أثبتت فترات الهدوء أن هذا البلد قادر على استعادة النمو بسرعة كلما توفرت له المظلة السياسية والأمنية المناسبة.
وبذلك، لا يمكن اختزال الخطاب الرسمي في دعوة إلى التهدئة أو في رفض للحرب فحسب، بل هو إعلان عن خيار استراتيجي جديد يقوم على إعادة الاعتبار للدولة، وتقديم الدبلوماسية كأداة لحماية الحقوق الوطنية، وربط استعادة السيادة بإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات. إنها محاولة لرسم معادلة مختلفة لمستقبل لبنان، عنوانها أن الدولة القوية هي وحدها القادرة على تحرير الأرض، وحماية المجتمع، وإعادة إطلاق الاقتصاد، وتحويل الاستقرار من هدنة مؤقتة إلى قاعدة دائمة للنهوض الوطني.