تعيش المنطقة، ومن ضمنها
لبنان ، على إيقاع ما يرتأيه الرئيس الأميركي
دونالد ترامب مناسبًا لمصالح بلاده في العالم. فإذا رأى أن الحرب المفتوحة على
إيران من شأنها أن تؤمّن له ما يسعى إليه يعطي أوامره فتندلع الحرب. أمّا إذا اعتبر أن الفرصة الدبلوماسية لا تزال سانحة لتحقيق ما يريده فإنه لا يتردّد في إعطاء أوامره لوقف أي ضربة محتملة ضد بنك أهداف على امتداد الجغرافية
الإيرانية .
ولذلك، لم يعد السؤال في لبنان متى تتوقف الحرب في المنطقة أو متى تندلع، ولا متى تنسحب
إسرائيل من آخر شبر تحتله، ولا حتى متى يعود أهالي الجنوب إلى قراهم. فهذه، على أهميتها، باتت محطات على طريق سؤال أكبر، وهو: أي دولة يريد اللبنانيون بعد كل ما جرى؟
في رأي بعض الذين لا يزالون متفائلين بقرب الحلول فإن الدولة، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تقف أمام فرصة حقيقية لاستعادة دورها، لكنها في الوقت نفسه تواجه اختباراً بالغ الصعوبة. فالجيش ينتشر تدريجياً في الجنوب، ورئيس الجمهورية يتمسك بأولوية الانسحاب
الإسرائيلي الكامل قبل الانتقال إلى أي استحقاق آخر، والمجتمع الدولي يرفع منسوب دعمه للمؤسسات الشرعية، فيما تبقى الأنظار معلقة على كيفية إدارة الملفات الداخلية الأكثر حساسية، وفي مقدمها السلاح، وإعادة الإعمار، واستعادة الثقة بالدولة.
غير أن التجارب
اللبنانية علمت المتفائلين والمتشائمين والواقعيين على حد سواء أن الفرص تضيع عندما تتحول إلى مادة للتجاذب السياسي. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، كما أنها لا تستعاد بالبيانات وحدها. إنها تُبنى بقرار سياسي جامع، وبمؤسسات تعمل وفق الدستور، وبسلطة لا تتردد في ممارسة مسؤولياتها على كامل الأراضي اللبنانية.
لقد كشفت الحرب الأخيرة حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش طويلاً خارج إطار الدولة. فالقرى التي عادت إليها الحياة جزئياً كزوطر الغربية مثلًا لا تزال تنتظر إعادة إعمارها، والعائلات التي رجعت إلى بلداتها تبحث عن الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات قبل أن تبحث عن الخطابات السياسية. وهذا يعني أن السيادة لم تعد مفهوماً عسكرياً فقط، بل أصبحت مرتبطة بقدرة
الدولة على إعادة الحياة إلى مواطنيها.
وفي المقابل، تبدو إسرائيل وكأنها تحاول استثمار ما حققته ميدانياً للحصول على مكاسب سياسية وأمنية في مرحلة ما بعد الحرب، فيما تعمل
الولايات المتحدة على تثبيت اتفاق الإطار باعتباره مدخلاً لاستقرار طويل الأمد. أما لبنان، فيحاول أن يثبت معادلة مختلفة، وهي أن لا تنفيذ انتقائياً للاتفاق، ولا استقرار دائماً في ظل استمرار الاحتلال والخروقات المتواصلة، غارات وتفجيرات، ولا نقاش جديًا حول مستقبل البلاد إذا بقيت السيادة منقوصة، وإذا بقي "
حزب الله " مصرًّا على الاحتفاظ بسلاحه، أو ربط التخّلي عنه بانسحاب كامل للقوات
الإسرائيلية من كل شبر تحتله، وإعادة الأسرى والمفقودين، وإعادة الاعمار تمهيدًا لعودة كريمة لأهل الجنوب.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة الضغوط الخارجية، بل في القدرة على إنتاج رؤية داخلية موحدة. فالدولة التي يطالب بها اللبنانيون لا يمكن أن تكون مشروع فريق دون آخر، ولا نتيجة غلبة سياسية، بل ثمرة توافق وطني يعيد الاعتبار إلى الدستور، ويحصّن المؤسسات، ويضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الفئوية.
ولعل أكثر ما يحتاج إليه لبنان اليوم هو الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة الحلول. فإدارة الأزمة تعني انتظار التطورات الإقليمية، أما صناعة الحلول فتعني امتلاك قرار وطني مستقل، قادر على الاستفادة من المتغيرات من دون الارتهان لها.
إن ما يجري في الجنوب، وما يرافقه من جهود سياسية ودبلوماسية، يجب ألا يُختزل في كونه ملفاً أمنياً. إنه اختبار لقدرة الدولة على أن تكون المرجعية الوحيدة في إدارة شؤون البلاد، وعلى أن تثبت أن المؤسسات ليست مجرد هياكل دستورية، بل أدوات فعلية لحماية الوطن والمواطن.
قد لا تكون الطريق سهلة، وربما تكون الضغوط المقبلة أشد من تلك التي شهدها لبنان في الأشهر الماضية. لكن التاريخ اللبناني يثبت أن الدول لا تُقاس بحجم الأزمات التي تمر بها، بل بقدرتها على تحويل تلك الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء نفسها.
اليوم، يقف لبنان عند مفترق طرق. فإما أن تكون الهدنة الهشّة والمحفوفة بشتى أنواع المخاطر والمحاذير بداية قيام دولة تستعيد قرارها وسيادتها ومؤسساتها، وإما أن تتحول إلى هدنة مفخّخة تسبق جولة جديدة من الحروب. وبين الاحتمالين، يبقى القرار في يد اللبنانيين قبل أن يكون في يد أي عاصمة أخرى.