كتب طارق ترشيشي في" الجمهورية": لعل ما يقلق تركيا ليس فقط استمرار الاعتداءات
الإسرائيلية ، بل احتمال أن تتحول هذه الاعتداءات مشروعاً دائماً يعيد رسم خرائط النفوذ في المشرق. فتركيا تدرك أن إضعاف
لبنان إلى حد الإنهيار، أو دفع
سوريا إلى مزيد من التفكك، سيخلق فراغاً لن تملأه سوى
إسرائيل أو الفوضى، وكلاهما يشكل تحدياً مباشراً لمصالحها. من هنا يمكن فهم الحراك التركي المتسارع تجاه لبنان. كما يمكن فهم الرسائل التي حملها لقاء أردوغان مع الرئيس
عون. فتركيا تريد أن تقول إنها ليست على هامش أي تسوية تخص لبنان، وإنها معنية بكل ما سيحدث في المرحلة المقبلة، من تثبيت وقف إطلاق النار إلى مستقبل الجنوب، مروراً بإعادة الإعمار ودعم الجيش اللبناني، وصولاً إلى شكل العلاقة الجديدة بين لبنان وسوريا. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تتحرك تركيا في مواجهة إسرائيل، أم بالتفاهم مع
الولايات المتحدة ؟ المرجح أن تركيا تدرك حدود قدرتها على الصدام المباشر مع إسرائيل، كما تدرك أن
واشنطن ما زالت اللاعب الأكثر تأثيراً في أي تسوية تخص لبنان. ولذلك يبدو أن الاستراتيجية التركية تقوم على الجمع بين أمرين متوازيين: رفع السقف السياسي في مواجهة المشروع
الإسرائيلي ، والعمل في الوقت نفسه داخل شبكة التفاهمات الدولية، لا خارجها. فهي تريد أن تكون جزءاً من الحل، لا طرفاً في حرب جديدة. من هنا، لا يبدو أن ثمة تعارضاً بين الدور التركي والدور العربي، بل إن مصلحة الطرفين تكمن في التكامل. فالعالم العربي، وفي مقدمه المملكة العربية
السعودية وقطر ومصر، يقود مسار إعادة احتضان لبنان وإعادته إلى محيطه الطبيعي، بينما تستطيع تركيا أن تضيف إلى هذا المسار أدوات سياسية واقتصادية وأمنية يصعب تجاهلها. لكن الرهان الأكبر يبقى على ما بعد السياسة. فإذا نجحت تركيا في ترجمة مواقفها إلى مشاريع ملموسة، من دعم الجيش اللبناني، إلى الاستثمار في إعادة إعمار الجنوب، وتطوير المرافئ والبنى التحتية والطاقة، فإنها ستتحول شريكاً حقيقياً في استقرار لبنان، لا مجرد داعم سياسي له. أما إذا بقيت المواقف في حدود الخطابات، فإن الزخم الذي رافق زيارة الرئيس عون سيتحول فرصاً ضائعة أخرى. ربما لم تحمل زيارة أنقرة اتفاقات كبرى أو إعلانات دراماتيكية، لكنها حملت مؤشراً إلى أن لبنان عاد إلى خريطة الاهتمام الإقليمي، وأن تركيا قررت أن لا تترك مستقبل
بيروت ودمشق يُرسم من دونها.