لم يكن لقاء "حماية لبنان " الذي انعقد في فندق "فينيسيا" مجرد مناسبة لإطلاق وثيقة وطنية، بل جاء تتويجاً لمسار حوار بدأه " التيار الوطني الحر "قبل أشهر، انطلاقاً من قناعته بأن لبنان يمر بمرحلة مفصلية تستدعي بناء مساحة مشتركة بين القوى السياسية حول ثوابت الدولة والسيادة والاستقرار، بعيداً من الانقسامات التقليدية .
وبحسب المعطيات، لم يحصر التيار مشاوراته بالقوى التي شاركت في اللقاء، بل وسّع اتصالاته لتشمل مختلف الكتل النيابية والنواب المستقلين، في محاولة لإضفاء طابع وطني جامع على الوثيقة. إلا أن حزب " القوات اللبنانية " بقي خارج هذا المسار، بعدما طلب التيار موعداً مع قيادته لعرض الورقة ومناقشتها، من دون أن يلقى تجاوباً، ما أبقى قنوات التواصل مقفلة .
أما غياب " حزب الله "، فلم يكن نتيجة قطيعة سياسية، إذ شهدت فترة الحرب سلسلة لقاءات بين رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل وعدد من نواب الحزب، طُرحت خلالها أفكار الوثيقة ونوقشت بنودها. وتشير المعلومات إلى أن عدم توجيه دعوة رسمية للحزب جاء تفادياً لتحويل بند حصرية السلاح إلى محور سجال قد يعرقل صدور الوثيقة أو يضع الحزب في موقع حرج، ففُضّل إبقاء النقاش في إطاره السياسي .
في المقابل، لعب الحزب التقدمي الاشتراكي دوراً في النقاشات التي سبقت صياغة الوثيقة، وقدم ملاحظات ساهمت في بلورة عدد من بنودها، لكنه حسم في الساعات الأخيرة قراره بعدم المشاركة، مفضلاً عدم الظهور في موقع المنحاز إلى أي محور، بانتظار اتضاح مسار إعادة التموضع السياسي، علماً أن اللقاء يمكن وصفه، بحسب المتابعين، بأنه لقاء للقوى المعتدلة أو الوسطية، وليس محسوباً على ما يُعرف بمحور الممانعة أو بمحور المعارضة .
ورغم تفاوت الحضور، يؤكد منظمو اللقاء أن الهدف لم يكن تأسيس اصطفاف جديد أو جبهة في مواجهة أي طرف، بل توفير مساحة حوار بين قوى سياسية مختلفة حول مجموعة من الثوابت، أبرزها مرجعية الدولة، ورفض الاحتلال الإسرائيلي ، والتمسك باتفاق الطائف، والدعوة إلى استراتيجية امن وطني تُناقش داخل المؤسسات الدستورية .
وعكست الكلمات التي أُلقيت خلال اللقاء هذا التقاطع، رغم استمرار التباينات في مقاربة ملفات أساسية، ولا سيما قضية السلاح، والعلاقة مع المجتمع الدولي، وآليات تطبيق اتفاق الطائف. إلا أن المشاركين أجمعوا على أولوية تعزيز دور الدولة والجيش، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ومعالجة القضايا الخلافية عبر الحوار والمؤسسات .
ولعل أبرز ما ميّز الوثيقة محاولتها التوفيق بين أولوية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وترسيخ مرجعية الدولة وحصرية قرارها في الأمن والدفاع، انطلاقاً من اعتبار أن الدولة القوية تشكل الإطار الجامع لأي استراتيجية امن وطني يتوافق عليها اللبنانيون .
كما تجنبت الوثيقة اللغة التصادمية ومنطق التخوين، وقدمت نفسها أرضية مفتوحة للنقاش، مؤكدة رفض التقسيم والتوطين والأمن الذاتي، والدعوة إلى الحوار، واحترام الدستور، وإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين، في ظل اعتبار الانقسام الداخلي أحد أبرز التحديات التي تواجه البلاد .
سياسياً، حمل اللقاء أكثر من رسالة أراد التيار الوطني الحر إيصالها، أبرزها تأكيد قدرته على جمع قوى متباعدة حول طاولة واحدة، وإعادة تقديم نفسه منصةً للحوار الوطني، والتشديد على أن مستقبل لبنان لا يُختزل بملف السلاح، بل يشمل أيضاً إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والإصلاح، والنهوض الاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات، وحماية السلم الأهلي .
وفي ظل الانقسام العمودي بين محور مؤيد لإيران وآخر يدعو إلى التموضع غرباً، حاول لقاء "حماية لبنان" تقديم مقاربة تنطلق من الدولة اللبنانية بعيداً من منطق المحاور. ومن هنا برز اختلافه عن لقاء معراب في آذار الماضي، الذي طرح خيارات تصعيدية، من بينها الدعوة إلى وضع لبنان تحت الفصل السابع، وإمكان الاستعانة بقوات دولية لتنفيذ حصرية السلاح، فيما شددت وثيقة "حماية لبنان" على أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم بالحوار ومن خلال المؤسسات الدستورية، رافضة تدويل الأزمة أو إسناد القرار اللبناني إلى أي جهة خارجية .
ويبقى نجاح الوثيقة مرهوناً بقدرتها على التحول من إعلان مبادئ إلى إطار حوار وطني أوسع يضم القوى التي غابت عن لقاء "فينيسيا"، لأن أي مقاربة لملفات بحجم الاستراتيجية الدفاعية ومستقبل الدولة لن تحقق نتائج عملية من دون مشاركة مختلف القوى الأساسية في البلاد .
المصدر:
لبنان ٢٤