كتبت سلوى بعلبكي في" النهار": تكتسب العلاقات اللبنانية-التركية أهمية متزايدة في المرحلة الراهنة، تزامناً مع الزيارة الرسمية التي يجريها رئيس الجمهورية جوزاف عون لأنقرة اليوم الخميس، والتي يتوقع أن تشكل محطة جديدة في مسار تطوير التعاون الثنائي ، ولا سيما في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية. وتأتي الزيارة في ظل تحولات إقليمية متسارعة تدفع البلدين إلى إعادة صياغة أولوياتهما الاقتصادية، وسط اهتمام متزايد بتعزيز التعاون في قطاعات التجارة، والبنى التحتية، والطاقة، وإعادة الإعمار. خلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الاقتصادية بين لبنان وتركيا توسعاً ملحوظاً، في إطار استراتيجية تركية تقوم على تعزيز النفوذ الاقتصادي في المنطقة عبر الاستثمار والتبادل التجاري، أكثر من اعتمادها على الأدوات السياسية التقليدية. ويستند هذا الحضور إلى شبكة تضم نحو 30 اتفاقية تعاون ثنائية، إلى جانب تنامي حركة النقل الجوي، وارتفاع حجم الاستثمارات المتبادلة، ووجود جالية ناشطة من رجال الأعمال اللبنانيين في تركيا ، فضلاً عن المشاريع التنموية التي تنفذها الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) في عدد من المناطق اللبنانية .
كذلك تعمل أنقرة على توسيع حضورها في قطاعات الخدمات والطاقة والإعلانات والإنجازات، مستفيدة من الفرص التي تتيحها مشاريع إعادة إعمار لبنان، ولا سيما في الجنوب، حيث تبدي الشركات التركية اهتماماً متزايداً بالمشاركة في هذه المشاريع. وفي الوقت عينه، تبرز الأهمية الاستراتيجية التي توليها تركيا لمرفأ
طرابلس والخط البحري الرابط بينه وبين ميناء مرسين، لكونهما جزءاً من رؤية لوجيستية أوسع تستهدف تعزيز حركة التجارة في شرق المتوسط.
إلا أن هذا الزخم في العلاقات الاقتصادية لا ينعكس توازناً في المبادلات التجارية بين البلدين. فالميزان التجاري لا يزال يميل كثيراً لمصلحة تركيا، إذ تشير إحصاءات إدارة الجمارك اللبنانية إلى أن العجز التجاري ارتفع من نحو 593 مليون دولار عام 2016 إلى أكثر من 2.28 ملياري دولار عام 2022، قبل أن يتراجع نسبياً مع بقائه عند مستويات مرتفعة تجاوزت 1.29 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026. وخلال الفترة الممتدة منذ 2016، تجاوزت قيمة الواردات اللبنانية من تركيا 13 مليار دولار، مقابل نحو 1.5 مليار فقط من الصادرات اللبنانية، ما أسفر عن عجز تراكمي تخطى 11.5 مليارات.
يشير هذا المسار إلى أن الأزمة الاقتصادية التي شهدها لبنان لم تؤدِّ إلى تراجع الاعتماد على السلع التركية، بل على العكس، إذ بلغت الواردات ذروتها عام 2022، متجاوزة 2.4 ملياري دولار، رغم الانحيار النقدي، ثم عادت إلى الارتفاع مع تحسن نسبي في الاستقرار النقدي خلال السنوات اللاحقة، فيما بقيت الصادرات اللبنانية إلى السوق التركية محدودة، من دون تحقيق اختراق فعلي يسمح بإعادة التوازن إلى العلاقة التجارية.