لا يمكن إدراج الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون إلى تركيا، غداً الخميس، في إطار الزيارات البروتوكولية المعتادة بين الدول. فالتوقيت وحده يمنحها أهمية استثنائية، إذ تأتي في لحظة تشهد إعادة رسم موازين القوى في المشرق، في ظل الحرب
الإسرائيلية المستمرة وتداعياتها على
لبنان والتحولات الجذرية في
سوريا ، والانخراط الأميركي المتزايد في هندسة الترتيبات الأمنية والسياسية للمنطقة، فضلاً عن ذلك، فإن هذه الزيارة، من منظور تركيا، تأتي متأخرة كثيراً.
تنظر أنقرة إلى هذه المرحلة بوصفها فرصة استراتيجية لإعادة تموضعها في شرق المتوسط والمشرق العربي، مستفيدةً من المتغيرات التي نقلتها من لاعب مؤثر في الملف السوري إلى شريك رئيسي في رسم ملامح سوريا الجديدة. ومع انتقال السلطة في دمشق إلى قوى ترتبط بعلاقات وثيقة مع تركيا، لم يعد النفوذ التركي محصوراً داخل الجغرافيا
السورية ، بل تمدد تلقائياً إلى الملفات
اللبنانية ، باعتبار لبنان الامتداد السياسي والجغرافي الأكثر التصاقاً بالمتغير السوري.
من هنا، تتجاوز زيارة الرئيس عون إطار العلاقات الثنائية، لتندرج في سياق استكشاف الرؤية التركية للمرحلة المقبلة، في ظل تنامي الحديث عن دور سوري جديد في لبنان، يختلف في طبيعته وأهدافه عن الدور الذي حكم العلاقات اللبنانية - السورية طوال العقود الماضية.
وتتقاطع هذه المعطيات مع مؤشرات متزايدة حول رغبة أميركية في إسناد أدوار معينة إلى دمشق، سواء في ما يتعلق بضبط الحدود اللبنانية - السورية، أو بالمساهمة في معالجة بعض الملفات الأمنية والسياسية المرتبطة بلبنان. وتدرك
بيروت أن أي انخراط سوري، سواء حصل أو بقي مستبعداً، لن يكون قراراً سورياً خالصاً، بل سيتأثر إلى حد بعيد بالموقف التركي، في ظل النفوذ الذي تمارسه أنقرة على السلطة الجديدة في دمشق.
لذلك، يُنتظر أن تشكل الزيارة فرصة للرئيس عون لاستطلاع الموقف التركي من الضغوط الأميركية، ولا سيما ما يتصل بمستقبل
حزب الله . فواشنطن لم تُخفِ رغبتها في إعادة صياغة التوازنات الأمنية في لبنان، فيما لا يزال الموقف السوري محاطاً بقدر من الغموض، رغم تأكيد الرئيس السوري أحمد الشرع، في أكثر من مناسبة، أن بلاده لا تنوي التدخل عسكرياً في لبنان. وتشير المعطيات إلى أن الموقف السوري جاء بناءً على الرؤية التركية، إذ تدرك أنقرة أن أي انخراط مباشر في الساحة اللبنانية سيجر المنطقة إلى مواجهة إقليمية معقدة، تبدأ بردة فعل إيرانية محتملة ضد سوريا، ولا تنتهي عند الحسابات العربية والخليجية. ويختصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذه المقاربة بقوله إن أمن تركيا "لا يبدأ من ولاية هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت"، في إشارة إلى أن استقرار دول الجوار يشكل جزءاً من الأمن القومي التركي.
ولا تنطلق الحسابات التركية من الاعتبارات الأمنية وحدها، بل من قراءة أشمل لخريطة النفوذ التي تتشكل بعد تراجع الحضور
الإيراني في عدد من الساحات الإقليمية، فأنقرة ترى أن المتغيرات الأخيرة فتحت نافذة لإعادة بناء حضورها السياسي والاقتصادي في لبنان، ولكن بأسلوب مختلف عن نماذج النفوذ التقليدية، يقوم على التدرج، والانفتاح على مختلف القوى السياسية، وتجنب الاصطفافات الحادة. وفي هذا الإطار، لم يقتصر الانفتاح التركي على استقبال رئيس الحكومة نواف سلام قبل أسابيع، بل سبقه تكثيف الاتصالات السياسية، عبر السفارة التركية في بيروت، مع مختلف القوى اللبنانية، بما فيها حزب الله، الذي يصف علاقته مع أنقرة بأنها جيدة، وهو ما يعكس حرص تركيا على الاحتفاظ بقنوات تواصل مع جميع المكونات اللبنانية، انطلاقاً من إدراكها للتوازنات الداخلية وتشابكها مع الصراعات الإقليمية.
وبموازاة البعد السياسي، تحضر الملفات الاقتصادية والاستثمارية بقوة على جدول أعمال الزيارة. فتركيا تنظر إلى لبنان باعتباره جزءاً من فضاء اقتصادي يمتد من سوريا إلى شرق المتوسط، وتسعى إلى توسيع حضور شركاتها في مشاريع البنية التحتية والطاقة وإعادة الإعمار، مستفيدة من موقعها المتقدم في السوق السورية، ومن علاقاتها المتنامية مع السلطة الجديدة في دمشق. كما يتوقع أن يُطرح ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط خلال المحادثات. فالقيادة التركية لم تُخفِ امتعاضها من إقرار لبنان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، معتبرةً أنها أُنجزت من دون مراعاة المصالح التركية أو التشاور مع أنقرة ودمشق.
في المقابل، يدرك لبنان أن الانفتاح على أنقرة لا يعني التموضع ضمن محور سياسي جديد، بقدر ما يعكس محاولة لتوسيع خياراته الخارجية في مرحلة تتغير فيها التحالفات الإقليمية بوتيرة متسارعة. لذلك، وفي ضوء هذه المعطيات، فإن نتائج الزيارة تُقاس بما ستكشفه من ملامح التوازنات التي يجري العمل على ترسيخها في المشرق، وبالدور الذي تسعى تركيا إلى لعبه في لبنان، بوصفه جزءاً من إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بعد سنوات من التحولات العميقة.