ذكرت صحيفة "The Spectator"
البريطانية أن "قرار الحوثيين اليمنيين بالعودة إلى الحرب الدائرة في
الشرق الأوسط يُعدّ دليلاً على صمود التحالف الإقليمي الذي تقوده
إيران واستمرار قوته. وقد مُني ما يُسمى بـ"محور المقاومة" بضربات قاسية خلال السنوات الثلاث الماضية، وانكشفت العديد من نقاط ضعفه، إلا أن إعلان الحوثيين فرض حصار بحري مُوجّه ضد
السعودية عند مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية يُظهر أن هذا المحور ما زال قائماً".
وبحسب الصحيفة: "في الواقع، تظل قدرة
إيران على قيادة أو على الأقل التحالف مع قوى وكيلة وعملاء لها في كل أنحاء الشرق الأوسط وخارجه أهم أدواتها لبسط نفوذها؛ وتشير الضربات التي استهدفت ناقلتي النفط السعوديتين "إنسيليا" و"ليلى" الأسبوع الماضي إلى أن محور إيران لن يتردد في توسيع نطاق الحرب لصالحه، وذلك على الرغم من الضربات القوية التي يتلقاها حاليًا من القوة الجوية الأميركية. كما وتزيد الهجمات اللاحقة على منشأة أرامكو في ميناء جيزان جنوب السعودية خلال عطلة نهاية الأسبوع من حدة التوتر. وقبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط قبل ثلاث سنوات، كان "محور المقاومة" العنصر الأكثر أهمية من الناحية العملية، وربما الأقل فهمًا، في مسعى إيران للهيمنة على المنطقة؛ كانت طموحات طهران النووية محور مخاوف الغرب بشأن إيران، نظراً للإمكانات الكارثية لوصول أسلحة بهذا الحجم إلى أيدي النظام. كما كان مشروع الصواريخ الباليستية الإيراني مصدر قلق إقليمي، لارتباطه الوثيق بالبرنامج النووي وقدرة طهران على ترهيب جيرانها الخليجيين".
وتابعت الصحيفة: "لكن القدرة على قيادة الوكلاء والعمل مع العملاء هي التي أوصلت إيران عمليًا إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر. فمن خلال فرع الحرس الثوري اللبناني الذي يُطلق عليه إسم "
حزب الله "، يواصل النظام الإيراني هيمنته على
لبنان ؛ ولا تزال ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية العراقية القوة السياسية والعسكرية الأقوى في العراق؛ أما حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، وكلاهما حليف لإيران، فيسيطران فعليًا على الحركة الفلسطينية المسلحة؛ وكان نظام الأسد في
سوريا أقدم حلفاء إيران، مما منح طهران اتصالاً جغرافياً بين حدودها والبحر الأبيض المتوسط؛ وأخيراً، مكّن الحوثيون، الذين سيطروا على العاصمة اليمنية وجزء كبير من ساحلها منذ عام 2014، إيران من تعطيل الملاحة على طول طريق خليج عدن-البحر الأحمر الحيوي".
وأضافت الصحيفة: "كانت إيران فخورة بتحالفها الإقليمي، الذي اعتبرته أداة لاستعراض القوة وانعكاساً لشرعيتها وجاذبيتها بين الشعوب العربية التي تسعى إلى العمل المسلح ضد الغرب وإسرائيل. وقد شكّل المحور عنصراً أساسياً في تقديم إيران لنفسها كقوة "شروق الشمس" في الشرق الأوسط، متقدمة بثبات ضد الهيمنة المتراجعة للولايات المتحدة وحلفائها. في الواقع، أظهرت السنوات الثلاث الماضية زيف دعاية إيران بشأن محورها. فعند اختبارها، تبين أنها أكثر واقعية ومحدودية مما كانت توحي به صورتها الذاتية. ففي الفترة التي سبقت تشرين الأول 2023، روجت منظمات ووسائل إعلام مرتبطة بإيران باستمرار لرسائل حول "توحيد الجبهات"، أي فكرة أن هجومًا مشتركًا من جانب المحور بأكمله قادر على تحقيق ما عجزت عنه الجيوش العربية تاريخيًا، وهو هزيمة
إسرائيل وتدميرها نهائيًا".
وبحسب الصحيفة: "يبدو أن هذا ما دفع يحيى السنوار، زعيم حماس الذي كان له دور كبير في إصلاح علاقات حركته مع إيران بعد عام 2017، إلى شنّ الهجوم الجهادي في 7 تشرين الأول. ولحسن حظ إسرائيل، لم يُحقق "محور المقاومة" النتائج المرجوة منه في الأيام التي تلت ذلك. لو أن "حزب الله"، والنظام الإيراني نفسه، والحوثيين، وباقي الأطراف، شنوا هجومًا شاملًا على الدولة اليهودية في أعقاب أو بالتزامن مع أحداث 7 تشرين الأول، لكانت العواقب كارثية على تل أبيب. لكن في الواقع، تبيّن أن هذا المحور يتألف من عدة أطراف، لكل منها مصالحها الخاصة، وإن كانت مترابطة؛ ولم يرَ أيٌّ منهم، كما اتضح، رغبةً في الانتحار من أجل عنصر صغير نسبيًا في تحالفهم، قرر شنّ هجوم واسع النطاق دون تشاور مسبق. ومكّنت التعبئة الجزئية والمتدرجة للمحور إسرائيل من التركيز على كل مكون من مكوناته على حدة، وتوجيه ضربات قوية ضدها كلها بحلول موعد وقف إطلاق النار في 25 تشرين الأول بعد عدة أسابيع. وكان سقوط نظام الأسد، الذي لم يكن "حزب الله"، المدافع عنه سابقاً، متاحاً حينها، بعد أن أضعفته إسرائيل، نتيجة غير متوقعة لهذه العملية".
وتابعت الصحيفة: "هكذا تلقى محور المقاومة ضربة قوية بسبب غروره وثقته المفرطة، لكن المشكلة في الغرور والثقة المفرطة، بالطبع، هي ميلهما إلى الانتقال بين المعسكرات المتنافسة. وبات من الواضح أن هذا يحدث بين إيران وخصومها
الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فقد فشلت حملة أميركا وإسرائيل على إيران منذ أواخر شباط من هذا العام في تحقيق أي نتائج استراتيجية، باستثناء سيطرة إيران الحالية على مضيق هرمز. ويبدو أن تل أبيب وواشنطن صدقتا أيضاً ما نشرتاه من معلومات، وقررتا أن النظام الإيراني وحلفاءه قد انتهى أمرهم، وأنهم مستعدون للهجوم النهائي. من الواضح تمامًا أن هذا ليس صحيحًا".
وأضافت الصحيفة: "تواجه الولايات المتحدة الآن خيارًا بين تصعيد حاد ضد الإيرانيين، أو الاعتراف فعليًا، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة، بأن قرار العودة إلى الحرب في شباط كان فاشلًا ولم يُسفر إلا عن سيطرة إيران على مضيق هرمز. وتُظهر ضربات الحوثيين على أهداف سعودية أن إيران نفسها تسعى الآن للسيطرة على مسار التصعيد. كان السعوديون يتجاوزون مضيق هرمز عبر مدّ خط أنابيب النفط إلى محطتهم على البحر الأحمر في ميناء ينبع. ويُعقّد إعلان الحوثيين إغلاق باب المندب أمام السفن التي ترفع
العلم السعودي هذا الخيار بشدة، إذ يتعين على كل السفن المغادرة من ينبع غربًا المرور عبر هذا المضيق الضيق".
وبحسب الصحيفة: "أظهر المحور الذي تقوده إيران خلال السنوات الثلاث الماضية أنه ترتيبٌ أكثر مرونةً وتنوعًا مما كان يُروج له سابقًا. وقد دُفنت فكرة الجيوش الهجينة القادرة على مواجهة الجيوش التقليدية، التي روجت لها إيران بكثافة، إلى حد كبير تحت وطأة الصراع في جنوب لبنان. مع ذلك، لا يعني هذا فشله التام؛ فما زال أعداء إيران عاجزين عن إيجاد حلٍّ فعال لقدرة الحرس الثوري الإيراني على التغلغل في الأنظمة السياسية للدول المجاورة وإضعافها. وأثبت النظام نفسه أنه بنيةٌ قويةٌ، إذ يضمّ عدداً كبيراً من الكفاءات الملتزمة ببقائه؛ وفي الوقت نفسه، ينتظر تطبيق الحرس الثوري الإيراني لأساليب الحرب غير المتكافئة في سياق بحري رداً فعالاً، ويبدو أنه حقق مكاسب استراتيجية لطهران منذ شباط الماضي، ولا تزال هذه المكاسب قائمة".
وختمت الصحيفة: "لقد ضعف المحور الإقليمي الذي تقوده إيران، وأظهر أنه ليس منيعاً؛ ومع ذلك، فإنه لا يزال بعيداً عن الهزيمة".