السياسة الماليّة نفسها... و"من دهنو سقّيلو"

شارك
تعود "المنظومة المالية" إلى السياسة الفاشلة نفسها، مجدّدًا: إنفاق سريع، بلا رؤية إصلاحية، وفي المقابل تمويل سريع من جيب المواطن، وفقًا للمثل الشعبي القائل: "من دهنو سقّيلو".

أقرّ مجلس النواب في 16 تموّز فتح اعتمادات بقيمة 627 مليون دولار لإعطاء موظفي القطاع العام والمتقاعدين العسكريين والمدنيين ستة رواتب إضافية، ويُطبَّق القرار بمفعول رجعي اعتبارًا من الأول من آذار الماضي. كما تُضاف إلى ذلك كلفة تعديل التعويضات العائلية من 33 ألف ليرة عن كل ولد، و60 ألف ليرة عن الزوجة أو الزوج، إلى نحو مليون و155 ألف ليرة عن كل ولد، ومليونين و100 ألف ليرة تعويضًا عن الزوجة أو الزوج، أي بزيادة تقارب 35 ضعفًا. وتتراوح الكلفة الإجمالية، بحسب أرقام وزارة المال، بين 100 و150 مليون دولار سنويًا.

إلى ذلك، هناك كلفة مساواة المتقاعدين العسكريين ببقية موظفي القطاع العام في المنح المدرسية، بحيث يحصلون على نسبة 100% بدلا من 50%، بكلفة تقارب 70 مليون دولار سنويًا، ليبلغ المجموع نحو 800 مليون دولار.

تعيدنا هذه المشهدية، في زمن التغيّرات السياسية، يوم فتحت الدولة، في العام 2017، اعتمادات بقيمة 800 مليون دولار لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، باعتبارها خطوة اجتماعية انعكست فيما بعد تضخّمًا وعجزًا في المالية العامة، إذ إن كلفتها تفلّتت وقتها إلى أكثر من 1,5 مليار دولار. وها هي الواقعة نفسها تتكرّر من دون أن تترافق مع خطة إصلاحية عاجلة تموّل تلك النفقات وتحسّن أداء الدولة. وكأن الدولة لم تتعلّم شيئًا من مساهمة السياسات الخاطئة والفاشلة، ومن الحلول الترقيعية التي قادت البلاد إلى انهيار اقتصادي لا نزال نتخبّط فيه ويمسك باقتصادنا الهشّ.

وبالعودة إلى اعتماد الـ627 مليون دولار، المشكلة ليست في دعم موظفي القطاع العام، وهو مطلب محقّ، بل في غياب أي خطة إصلاحية جدّية تواكب هذا الإنفاق، وفي اقتطاع الدولة، عبر الزيادات التي تفرضها من جيب موظف القطاع العام.

الموارد الضريبية المجحفة الجديدة

الضرائب والرسوم الجديدة التي اختارت وزارة المال الطريق الأسهل لفرضها، بهدف زيادة عائداتها، تتمحور كالآتي حتى اليوم:
- رسم استهلاك على صفيحة البنزين بقيمة 320 ألف ليرة، يؤمّن نحو 450 مليون دولار سنويًا، مقابل كلفة الرواتب الستة الإضافية للقطاع العام بقيمة 600 مليون دولار سنويًا.
-رسوم بنسبة 0,1% على السلع المستوردة المنتجة للنفايات، بعدما قامت القيامة على قرار اعتماد رسم يتراوح بين 1 و3%، وتمّ تعليقه نظرًا إلى تداعياته التضخمية.
-رسوم إضافية على الاستهلاك والمرافئ، مثل رسم الـ100 دولار على الكونتينر الواحد، الذي تمّ إحباطه.
-رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12%، أي بزيادة التضخّم بنسبة 1%. وهذه النقطة، رغم رفض رئيس لجنة المال والموازنة فرضها، بات إقرارها شبه مؤكّد، وتعوّل وزارة المال على أن تحقّق منها 150 مليون دولار، ما يطاول مباشرة ذوي الدخل المحدود.

ضريبة الـTVA

حول فتح الاعتمادات وفرض ضرائب على المواطنين، وتحديدًا الضريبة على القيمة المضافة، قال رئيس جمعية الضرائب اللبنانية هشام المكمّل لـ "نداء الوطن، أن "فتح الاعتماد الذي أقرّه مجلس النواب، جاء من خارج موازنة عام 2026 لتغطية الزيادة التي أقرّتها الحكومة لموظفي القطاع العام والمتقاعدين، والبالغة ستة أضعاف الراتب، وهي زيادة مستحقة، ولا سيما للعسكريين وسائر العاملين في القطاع العام، في ظل التراجع الكبير الذي أصاب قدرتهم الشرائية خلال السنوات الماضية".

أضاف المكمّل أنه "كان من المقرر تمويل هذه الزيادة من خلال الرسم البالغ 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، إضافة إلى زيادة بنسبة 1% على ضريبة القيمة المضافة، إلا أن مجلس النواب لم يوافق على إقرار هذه الزيادة، وهو توجّه يُعدّ أكثر ملاءمة في الظروف الاقتصادية الراهنة، لأن أي زيادة في ضريبة القيمة المضافة ستنعكس مباشرة على الأسعار وتؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، حتى وإن كانت نسبة تقارب 30% من السلع الاستهلاكية معفاة من هذه الضريبة، إذ إن ارتفاع كلفة الإنتاج والتشغيل سينتقل حتمًا إلى المستهلك".

أضاف: "في الوقت الذي لا خلاف فيه على أحقية موظفي القطاع العام والمتقاعدين في الحصول على هذه الزيادات، فإن تمويلها يجب ألا يكون عبر فرض المزيد من الضرائب والرسوم، بل من خلال تبنّي سياسات اقتصادية تحفّز النمو وتستقطب الاستثمارات، بما يساهم في توسيع النشاط الاقتصادي وزيادة إيرادات الدولة بصورة مستدامة".

الحلول المطروحة للمعضلات

في ما يتعلّق بالحلول المطروحة أيضًا لزيادة عائدات الدولة، اعتبر المكمّل أن "الحكومة مطالبة بمضاعفة جهودها في مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وتحسين كفاءة الجباية، والحدّ من الهدر، وتوسيع القاعدة الضريبية عبر إدخال الأنشطة غير الملتزمة إلى الاقتصاد المنظّم، بدلا من زيادة الأعباء على المكلّفين الملتزمين".

واقترح "ضرورة اعتماد الفاتورة الإلكترونية التي تُعدّ من أبرز الإصلاحات المطلوبة، لما لها من دور في الحدّ من التهرب الضريبي، وتقليص حجم الاقتصاد غير الشرعي، وتعزيز العدالة الضريبية، إلى جانب إدارة أصول الدولة بطريقة أكثر كفاءة، بما يحقق إيرادات إضافية للخزينة، بدلا من استمرار تحميل المالية العامة أعباء العجز".

وقال المكمّل إن "المرحلة الحالية تتطلب رؤية اقتصادية وتنموية متكاملة، ترتكز على تحفيز الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل، بدلا من الاكتفاء بإعداد موازنات هدفها الأساسي تأمين نفقات الدولة، من دون وضع خطة واضحة لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام".

تداعيات الرسوم على الصناعة

شظايا الرسوم التي تفرضها الدولة، تصيب الصناعيين في الصميم. وفي هذا المجال، يقول عضو مجلس إدارة جمعية الصناعيين اللبنانيين بول أبي نصر لـ"نداء الوطن"إن "الرسم البيئي، لو أُقرّ بالصيغة التي طُرحت سابقًا على السلع المستوردة المنتجة للنفايات، بنسبة تتراوح بين 1 و3%، كان سيخلق تضخّمًا بنسبة 6 أو 7% يُضاف إلى التضخّم العالمي. فتحليق الأسعار المستجد في الأسواق المحلّية سببه ارتفاع أسعار المحروقات العالمية، إذ صعدت كلفة واردات المحروقات السنوية إلى لبنان من 4,5 مليارات دولار إلى 6 مليارات دولار كما هو متوقّع، والسبب هو تفاقم الأسعار وليس زيادة الكمية المستوردة، الأمر الذي ينعكس ارتفاعًا في الكلفة على المستورد والصناعي، وفي أسعار السلع المصنّعة محليًا. فتداعيات زيادة أسعار المحروقات، وتحديدًا المازوت، على القطاع الصناعي تُعدّ غير متناسبة مع حجم الزيادة نفسها، وهو ما يُعرف اقتصاديًا بـDisproportionate effect. وبما أن 90% من المعامل اللبنانية تعتمد في إنتاجها على المولّدات الخاصة، زادت كلفة الطاقة على المصنّع بنسبة تتراوح بين 60 و70%، ما ينعكس زيادةً في أسعار السلع بنسبة 10%، وأحيانًا 25%. وانطلاقًا من تلك المعطيات، تطلّ علينا الحكومة بزيادة في الرسوم والضرائب، بدلا من خفضها لتحفيز الاقتصاد على الإقلاع مجدّدًا".

لا إصلاحات

إلى ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى أن وزارة المال تبحث عن مصادر تمويل أخرى تقارب قيمتها 200 مليون دولار، وتطرح عناوين عريضة، من بينها تحسين الالتزام الضريبي، وتعزيز إيرادات الجمارك، ومكافحة التهرّب الضريبي. وتذكّرنا تلك المصادر بالإصلاحات التي أُقرّت في 21 آب 2017، تاريخ إقرار سلسلة الرتب والرواتب، والتي أُرفقت بإصلاحات وردت في 15 مادة، أبرزها: وقف جميع حالات التوظيف والاستخدام في أجهزة القطاع العام، بما في ذلك السلكين التعليمي والعسكري؛ وإجراء مسح شامل للوظائف الملحوظة في ملاكات أجهزة القطاع العام وللعاملين في هذه الأجهزة، في مهلة ستة أشهر من تاريخ صدور قانون سلسلة الرتب والرواتب؛ وإعادة هيكلة الإدارة وتطويرها وإنجاز التوصيف الوظيفي خلال المهلة ذاتها.

أين هي تلك الإجراءات؟ استمرّ التوظيف السياسي، ولم تُنفَّذ إعادة الهيكلة، ولم تتمّ إعادة تموضع الموظف المناسب في المكان المناسب وملء الشغور، وتضخّمت الكلفة الفعلية مع الانهيار الاقتصادي في نهاية عام 2019. فلو تجرّأت الحكومات السابقة على المباشرة بها، لكنّا أنجزنا الإصلاحات المطلوبة في القطاع العام طوال السنوات العشر التي مضت. لكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟

إذا كان صندوق النقد يؤيّد زيادة عائدات الدولة بسرعة من خلال الاستسهال في زيادة الضرائب، مثل الـTVA والرسم البيئي الذي أقرّته الحكومة وعلّقته، وتعيد لجنة وزارية مؤلفة من وزراء المال والإقتصاد والبيئة دراسته، ورسم البنزين الذي فرضته قبل اندلاع الحرب بقيمة 300 ألف ليرة، وأرادت من خلال الرسم البيئي فرض نسبة 2% إضافية عليه، فإن الدولة، وتحديدًا وزارة المال "الأدرى" بالوضع المالي والاقتصادي والتضخّمي، لا يمكنها أن تحمل سيف الضرائب هذا وتشهره في اقتصاد يُرتقب أن يسجّل نمواً سلبياً بنسبة تتراوح بين 7 و 12% وقد يصل الى 16%، من دون السير بالإصلاحات من خلال خطة مالية واقتصادية طال انتظارها.
MTV المصدر: MTV
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا