«إلهي رضاك»… عبارتان اختصرتا مسيرة رجل، وتحولتا مع الزمن إلى ما يشبه الوصية الروحية التي تختزن حياة البطريرك إلياس
بطرس الحويّك الذي سيرفع اليوم طوباويا : حياة قوامها التسليم للعناية الإلهية، والثبات في الإيمان، وخدمة الكنيسة والإنسان والوطن.
هذه العبارة التي رافقت البطريرك الحويّك وشكّلت عنوانًا لروحانيته، كانت مصدر الإلهام الذي انطلق منه مصمم الأزياء والملابس الليتورجية ماجد بوطانوس ليبتكر
الصليب الذي شكّل العنصر الفني والرمزي الأساسي في الملابس الليتورجية الخاصة باحتفال تطويبه.
بخيوط
الذهب ، لم يصمّم بوطانوس مجرد زخرفة تُضاف إلى الثوب، بل أراد للصليب أن يكون تحفة فنية تحمل هوية ورسالة وذاكرة. فجاء التصميم لقاءً بين عالمين فنيين ينتميان في الوقت نفسه إلى هوية هذا الشرق: الفن البيزنطي والشرقي الذي طبع الكثير من فنون الكنائس السريانية
المارونية ، والخط العربي بما يحمله من جمال وانسيابية وعمق ثقافي.
وفي قلب الصليب، تتصدّر عبارة «إلهي رضاك» المشهد، لا بوصفها عنصرًا زخرفيًا، بل صلاةً كُتبت بالخيط واللون. وهنا تتحول الكتابة نفسها إلى جزء من التكوين الفني، ويصبح الحرف العربي امتدادًا للخطوط الهندسية والزخرفية للصليب.
وليس اختيار الخط العربي في هذا العمل تفصيلًا عابرًا، بل خيار مقصود يحمل دلالة تتجاوز الناحية الجمالية. فالحويّك لم يكن فقط بطريرك الكنيسة المارونية، بل ارتبط اسمه بقيام
لبنان الكبير وبالدفاع عن وطن أراده مساحة جامعة لمختلف مكوّناته وطوائفه. ومن هنا، يبدو اجتماع الصليب الشرقي بالحرف العربي تعبيرًا فنيًا عن تلك الهوية
اللبنانية التي يتجاور فيها الانتماء المسيحي المشرقي مع الثقافة العربية في صيغة واحدة.
أما بوطانوس، الذي اعتاد أن يجعل من الثوب الليتورجي مساحة لسرد قصة، يتعامل هنا مع التطريز كلغة بحد ذاتها. فهو يجمع العناصر ويعيد تركيبها ليولد منها تصميمًا جديدًا لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يحاوره ويمنحه قراءة معاصرة.
وهكذا، تتحول الخيوط الذهبية إلى خطوط من نور، ويتحوّل الثوب من قطعة نسيج إلى مساحة تحمل ذاكرة رجل وكنيسة ووطن. فالذهب هنا ليس مجرد رمز للفخامة؛ إنه نور، واللون ليس زينة؛ إنه لغة، والتطريز ليس ترفًا؛ إنه محاولة لجعل الصلاة مرئية.
وفي أجمل الحُلَل الليتورجية البهيّة، يتألّق صليب «إلهي رضاك» كأن خيوطه تعبق برائحة القداسة، وتنسج، غرزةً بعد غرزة، أيقونة من صلاة؛ أيقونة لا تُكتب بالألوان وحدها، بل بالذهب والحرف والذاكرة، لتعيد إلى الأذهان الكلمات التي اختصرت مسيرة البطريرك الطوباوي إلياس الحويّك:
«إلهي، اجعلني أعيش وأموت برضاك».
فبين يد البطريرك التي رفعت الصلاة يومًا، ويد المصمم التي حوّلتها اليوم إلى خيط وذهب وصليب، تستمر العبارة ذاتها… صلاةً، وذاكرةً، وإرثًا لا ينطفئ.