منذ تشكيلها، رفعت حكومة الرئيس
نواف سلام شعار الإصلاح، وقدّمت نفسها بوصفها حكومة مختلفة عن الحكومات التي سبقتها؛ حكومة تريد استعادة ثقة اللبنانيين بالدولة، وتكريس الكفاءة والشفافية، ووضع حدّ لمنطق الزبائنية السياسية الذي أفسد
الإدارة العامة وأفرغ المؤسسات الرقابية من دورها، لكن الاختبار الحقيقي لأي حكومة لا يكون في الشعارات، بل في طريقة إدارتها للمؤسسات وفي قدرتها على حماية القوانين وتطبيقها. وهنا، تبدو الصورة أكثر التباساً.
فالأكثر إثارة للقلق أن مسار التعيينات نفسه بات موضع علامات استفهام. وبدلاً من أن تتحوّل القوانين الإصلاحية إلى قواعد ثابتة تحكم عمل الدولة، بدا أن تطبيقها يخضع للاجتهادات والاعتبارات السياسية، بما يفتح الباب أمام الشكوك في وجود رغبة في تفصيل التعيينات على قياس أسماء محددة.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في أداء الحكومة: فالحكومة التي تقول إنها تريد بناء دولة المؤسسات لا يمكنها أن تسمح ببقاء هيئة رقابية أساسية معطّلة، ولا أن تتعامل مع المواعيد القانونية وكأنها قابلة للتأجيل وفق الظروف السياسية. كما لا يمكنها أن تطلب من الوزارات والإدارات الالتزام بقانون الشراء العام، فيما الجهة التي يفترض أن تراقب تطبيق هذا القانون مشلولة بسبب غياب رئيسها وأعضائها وعدم مبادرة رئيس الحكومة الى الدفع لاتمام هذا الاستحقاق.
فبعد تقاعد رئيس هيئة الشراء العام، جان علية، المعروف بإدارته الهيئة بمفرده منذ تأسيسها وبمحاولته إبعادها عن التجاذبات السياسية، دخلت الهيئة في فراغ كامل. والمفارقة أن موعد تقاعد رئيسها كان معروفاً منذ أشهر، فيما كان يفترض بالحكومة أن تكون قد أنجزت التعيينات قبل حلول موعد الشغور، لا أن تنتظر وقوع الفراغ ثم تبدأ البحث عن بدائل.
إن تعطيل هيئة الشراء العام لا يمسّ مؤسسة إدارية عادية، بل يضرب واحدة من أهم أدوات الرقابة على المال العام والمناقصات العمومية. وإذا كان الفراغ نتيجة إهمال، فذلك يكشف ضعفاً في الإدارة. وإذا كان نتيجة خلافات سياسية، فهو يؤكد استمرار منطق المحاصصة. أما إذا كان نتيجة محاولة فرض أسماء محددة، فذلك يعني أن الإصلاح لم يتجاوز بعد حدود الخطاب.
والمفارقة أن الحكومة تبدو، في بعض الملفات، وكأنها تريد الجمع بين خطاب الإصلاح وممارسات المحسوبيات والمحاصصة. فهي تتحدث عن الكفاءة والجدارة، فيما تترك التعيينات معلّقة أو تفتح أبوابها مجدداً عندما لا تأتي النتائج وفق التوقعات. وترفع شعار استقلالية المؤسسات، فيما يبقى القرار الفعلي أسير التوازنات السياسية. وتعد اللبنانيين بمرحلة جديدة، لكنها تعيد إنتاج الأساليب القديمة بأدوات أكثر حداثة.
ولا يقتصر الأمر على هيئة الشراء العام. فالتعيينات الأخيرة تقدّم نموذجاً آخر عن كيفية إدارة الحكومة للوظائف العامة، ومن أبرزها تعيين سامر خوند مديراً عاماً للمؤسسة العامة للأسواق الاستهلاكية، رغم أن مجلس الخدمة المدنية كان قد رفض ترفيعه من الفئة الرابعة إلى المركز نفسه.
وخوند، الذي كان يشغل في ملاك
وزارة الزراعة وظيفة مأمور أحراج، تولّى أيضاً منصب
مدير مكتب
وزير الزراعة نزار هاني. وبعد رفض ترفيعه، جاء المخرج عبر تقديم استقالته من الملاك، ليُعاد تعيينه من خارج الملاك، ضمن الفئة الثانية، مديراً عاماً للمؤسسة العامة للأسواق الاستهلاكية.
وبمعزل عن قانونية هذا المسار، تطرح الواقعة سؤالاً أساسياً حول جدوى آليات التعيين التي يُفترض أن تقوم على الكفاءة والجدارة، إذا كان بالإمكان تجاوز رفض الترفيع من خلال الانتقال من داخل الملاك إلى خارجه، ثم الوصول إلى الموقع الإداري نفسه بقرار من
مجلس الوزراء . ولا تقتصر القضية على تعيين خوند بحد ذاته، بل تتجاوزها إلى مصير دور مجلس الخدمة المدنية، الذي يفترض أن يكون الجهة الضامنة للكفاءة وتكافؤ الفرص في الإدارة العامة، وأن يشكّل سداً أمام التعيينات السياسية والمحاصصة.
فإذا كان المجلس قد رفض ترفيع خوند من الفئة الرابعة إلى المركز الذي عُيّن فيه، فكيف يمكن تجاوز هذا الرفض ببساطة عبر استقالته من الملاك، ثم تعيينه من خارجه في المركز نفسه، ولكن من الفئة الثانية؟
هنا لا تعود المسألة مجرّد تعيين شخص في موقع إداري، بل تصبح سؤالاً عن جدوى المؤسسات الرقابية والإدارية التي يفترض أن تضبط التعيينات. فمجلس الخدمة المدنية لا يمكن أن يكون مرجعاً يُستعان به عندما تتوافق قراراته مع رغبة السلطة، ثم يجري الالتفاف على دوره عندما لا تأتي نتائجه كما تشتهي التعيينات السياسية.
وبذلك، فإن تجاوز قرار المجلس يفرغ دوره من مضمونه، ويحوّله من جهة يُفترض أن تحمي الإدارة العامة من المحاصصة إلى محطة يمكن تجاوزها بمخرج إداري متى تعارضت قراراتها مع رغبة السلطة السياسية.
وعليه، فإن ما يجري في ملف التعيينات لم يعد مجرد مخالفات متفرقة، بل يعكس نهجاً متكاملاً في الالتفاف على القوانين والآليات التي أقرتها الحكومة بنفسها، وفي هذا السياق، يقول الأستاذ الجامعي بلال علامة إنّه، منذ انطلاق مسار التعيينات، سقطت تباعاً كل المعايير التي قيل إنها ستؤسس لمرحلة جديدة في الإدارة العامة، متحدثاً عن جملة من المخالفات والتجاوزات في التعيينات. ففي وزارة التربية، جرى تجاوز الأصول القانونية والإدارية، مع استمرار المخالفات المرتبطة بإدارة التعليم المهني والتقني. كما تم تعيين مدير عام للتعليم العالي رغم أنه لم يكن من المتقدمين أصلاً، وفق آلية التعيينات المعتمدة، ما يفرغ هذه الآلية من مضمونها ويحيلها إلى مجرد واجهة شكلية. أما في وزارة الأشغال، فقد أُثيرت انتقادات واسعة لتعيين موظف من الفئة الرابعة في منصب مدير عام، في سابقة تطرح تساؤلات جدية حول احترام التدرج الوظيفي والأصول القانونية. والأمر نفسه حصل في وزارة الزراعة، حيث انتقل موظف يشغل وظيفة مأمور أحراج إلى منصب مدير عام، وكأن الأمر جرى «بسحر ساحر».
وبينما تستمر التعيينات في مجالس الإدارة والهيئات الناظمة بعيداً عن المعايير التي جرى التعهد باعتمادها، وتتوسع التوظيفات عبر العقود والفواتير بصورة تثير علامات استفهام حول أسسها وحاجات الإدارة الفعلية، يصبح الحديث عن الإصلاح، كما يقول علامة، فاقداً للصدقية، فالإصلاح لا يبدأ بتجاوز القانون، ولا بإسقاط معايير الكفاءة، ولا بتحويل آليات التعيين إلى إجراءات شكلية تُطبّق عندما تناسب أصحاب القرار وتُستبعد عندما تعيق خياراتهم.
وإذا كان الانطباع العام أن القرارات الحاسمة لا تُصنع داخل المؤسسات الرسمية وفق القانون، بل تخضع لتوازنات ونفوذ ومراكز قرار غير خاضعة للمساءلة، فإن ذلك يعزز الاعتقاد، كما يقول علامة، بأن ما يُوصف بـ«الدولة العميقة» لا يزال يمسك بمفاصل الإدارة، فيما تكتفي الحكومة بتسويق خطاب الإصلاح من دون أن ينعكس ذلك في الممارسة.
لكن الأخطر من ذلك أن هذا النهج لا يقتصر على التعيينات، بل يمتد إلى بنية الإدارة العامة نفسها. فالإدارة العامة تشهد توسعاً غير مسبوق في التوظيف عبر المنظمات الدولية، حتى بات لكل وزارة إدارة موازية ممولة من الخارج، تضم مستشارين وخبراء وموظفين يتولون مهاماً هي أصلاً من اختصاص موظفي القطاع العام.
وهذا الواقع لا يعكس، كما يقول علامة، فشل الدولة في تفعيل كوادرها فحسب، بل يكرّس نموذجاً لإدارة الوزارات خارج الهيكلية القانونية، ويضعف المؤسسات الرسمية تدريجياً لمصلحة هياكل موازية لا تخضع للمعايير نفسها في التوظيف أو المساءلة أو الرقابة. وإذا كان في كل وزارة آلاف الموظفين الذين تتولى الدولة دفع رواتبهم، فما المبرر لتحويل المنظمات الدولية إلى مصدر دائم لتمويل الوظائف والإدارة، بدلاً من أن يقتصر دورها على الدعم التقني وبناء القدرات؟
وهنا يؤكد علامة أن دولة المؤسسات لا تُبنى بالشعارات، بل باحترام القانون على الجميع، من دون استثناء أو انتقائية، أما حين تصبح آليات التعيين قابلة للالتفاف، والمؤسسات الرقابية قابلة للتعطيل، والوظائف العامة خاضعة للتوازنات السياسية، فإن الحديث عن الإصلاح يفقد معناه.
وفي الخلاصة، فإن استمرار هذا النهج سيؤسس تدريجياً لإدارة موازية تتقدم على الإدارة العامة بدلاً من أن تدعمها، وسيعيد إنتاج الأساليب القديمة تحت عنوان الإصلاح.