آخر الأخبار

تطويب البطريرك الحويك... هل يعيد الاعتبار إلى فكرة لبنان الكبير؟

شارك
لا يمكن النظر إلى تطويب البطريرك الماروني الياس الحويك باعتباره حدثًا كنسيًا صرفًا. فالرجل لم يكن مجرد رأس للكنيسة المارونية ، بل كان أحد أبرز صانعي فكرة " لبنان الكبير"، وأحد الذين دافعوا عنها في المحافل الدولية بعد الحرب العالمية الأولى، انطلاقًا من قناعة بأن الكيان اللبناني لا يمكن أن يقوم إلا على الشراكة بين جميع مكوناته.
ويأتي هذا التطويب في مرحلة يعيش فيها لبنان واحدة من أعمق أزماته الوجودية، حيث عاد النقاش حول هوية الدولة، وصيغة العيش المشترك، ومستقبل النظام، إلى واجهة الحياة السياسية. ومن هنا، يرى كثيرون أن الحدث يتجاوز البعد الروحي ليعيد تسليط الضوء على الإرث الفكري والسياسي للبطريرك الحويك.
وخلال السنوات الأخيرة، تعرّض الحويك لانتقادات من بعض الأوساط التي اعتبرت أن خياره بقيام "لبنان الكبير" وصيغة العيش المشترك كان سببًا في الأزمات التي عاشها البلد لاحقًا، وأن قيام دولة ذات أكثرية مسيحية آنذاك كان سيؤدي إلى مسار مختلف.
في المقابل، يرى مؤرخون وباحثون أن تحميل الحويك مسؤولية أزمات نشأت بعد عقود طويلة يتجاهل السياق التاريخي الذي اتخذت فيه تلك الخيارات. فالرجل كان يتحرك في مرحلة انهيار السلطنة العثمانية وإعادة رسم خرائط المنطقة، وسعى، بحسب الوثائق التاريخية، إلى قيام دولة توفر الحماية والكرامة لجميع أبنائها، وتؤمن مقومات العيش والاستقرار، لا إلى إنشاء كيان يقوم على الإقصاء أو الغلبة.
واللافت أن فكرة العيش المشترك التي دافع عنها الحويك لا تزال، بعد أكثر من قرن، تشكل أساس الدستور اللبناني والميثاق الوطني واتفاق الطائف ، على رغم كل ما أصابها من اهتزازات. ولذلك، فإن تطويبه قد يدفع إلى إعادة قراءة تجربته بعيدًا من السجالات السياسية الآنية، والعودة إلى السؤال الأساسي: هل كانت المشكلة في الصيغة التي دافع عنها، أم في عجز اللبنانيين عن تطبيقها بروح الدولة والمؤسسات؟
كما يحمل التطويب رسالة روحية تتجاوز لبنان. فالكنيسة، عندما تكرم شخصية بهذا الحجم، لا تكرم خيارًا سياسيًا بعينه، بل تستحضر مسيرة إنسان كرّس حياته لخدمة شعبه، والدفاع عن كرامته، والعمل من أجل السلام والعدالة في مرحلة مصيرية من تاريخ المنطقة.
وربما تكمن أهمية الحدث في أنه يأتي في وقت يعيد فيه اللبنانيون طرح الأسئلة نفسها التي واجهها الحويك قبل أكثر من مئة عام: كيف تُبنى الدولة، وكيف تُصان الشراكة، وكيف يتحول التنوع من مصدر انقسام إلى مصدر قوة؟
لهذا، قد لا يكون تطويب البطريرك الياس الحويك مجرد تكريم لشخصية تاريخية، بل مناسبة لإعادة فتح النقاش حول الفكرة التي آمن بها ودافع عنها حتى النهاية، وهي أن لبنان لا يعيش إلا بجميع أبنائه، وأن قوة الدولة لا تُقاس بغلبة طائفة على أخرى، بل بقدرتها على احتضان الجميع تحت سقف واحد.
اليوم ينضم أسم البطريرك الحويك إلى قائمة القديسين والطوباويين والمكرّمين اللبنانيين كشربل ورفقا والحرديني والأب يعقوب حداد الكبوشي والبطريرك اسطفان الدويهي والأخ اسطفان والأب بشارة أبو مراد والاخوة المسابكيين والأب أنطوان طربيه، ليشكلوا معًا مدماك القداسة التي تزنّر لبنان بمساحته الصغيرة الحجم، والكبيرة قيمة روحية كواحة أمل في عالم تتغطى عليه الانانية والكبرياء والابتعاد عن الخالق لما يرى ولما لا يرى.
هؤلاء جميعًا أمنوا، كما كثيرين من اللبنانيين، بأن لبنان – صيغة العيش الواحد – ليس كأي بلد آخر على الكرة الأرضية، على رغم ما يعانيه من اضطرابات وصعوبات، وما يتعرّض له من هزّات، وما يحلّ به من مآسٍ وويلات. وهذا الايمان الاستثنائي، الذي لمسه قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته التاريخية للبنان، هو الذي دفع البابا القديس يوحنا بولس الثاني بوحي من الروح القدس إلى اعتبار هذا البلد الصغير – الكبير "رسالة" وليس مجرد بلد له حدود جغرافية في بعقة من العالم وفي محيط مضطرب.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا