آخر الأخبار

زيارة عون إلى واشنطن... أبعد من سلاح حزب الله

شارك

بدأت التحليلات والأفكار تتوالى لتقييم الزيارة التي قام بها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن، ولعل أول ما أسقطته عمليًا وبشكل ملموس هو احتمال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هناك، قصدًا أم بالصدفة، وهو ما لم يحصل بشكل قاطع، فكانت أول عقبة تُزاح من درب عون في الداخل ال لبنان ي. بعدها، تحولت الأنظار إلى القيمة السياسية الحقيقية للزيارة وما يمكن استخلاصه من الرسائل التي حملتها، لا من البيانات الرسمية التي صدرت.

لم يكن محور لقاء عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب يتمحور حول سلاح حزب الله بقدر ما كان نقاشًا حول شكل الدولة اللبنانية التي تريدها الولايات المتحدة في مرحلة إعادة رسم التوازنات الإقليمية. فواشنطن لم تعد تتعامل مع لبنان كملف أمني منفصل، بل كجزء من إعادة ترتيب أوسع تشمل سوريا و إيران وإسرائيل. من هذه الزاوية، يمكن القول إن عون حاول تسويق معادلة لا تقوم على "نزع السلاح أولاً"، بل على تثبيت مقاربة تربط أي تحول داخلي باستكمال الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز مؤسسات الدولة، وفي مقدمها الجيش اللبناني ، بحيث يصبح احتكارها للقوة نتيجة لمسار سياسي وأمني متكامل، لا شرطًا مسبقًا له.

في المقابل، بدا ترامب أكثر استيعابًا للتحولات الأخيرة، وما الكلام عن استعداده للتواصل مع حزب الله إذا طلب منه عون ذلك، إلا بمثابة تبدل في طريقة التعاطي الأميركي مع الحزب، ويعكس إدراكًا بأن أي تسوية لبنانية لا يمكن أن تقوم على تجاهل الوقائع الداخلية. لذلك يبدو أن الهدف الأميركي لم يعد إزالة الحزب من المشهد، بل إعادة تعريف دوره ضمن معادلة تجعل الدولة صاحبة القرار الأمني. لكن أكثر ما استحق التوقف عنده لم يكن الحديث عن السلاح، بل تكرار ترامب الإشارة إلى دور يمكن أن تؤديه سوريا في المرحلة المقبلة، في تناقض واضح مع ما كانت عليه السياسة الأميركية منذ العام 2005، ما يعني أن ملفات لبنان وسوريا باتت جزءًا من مشهد إقليمي واحد. وفيما تذهب الأفكار إلى تدخل سوري مباشر في لبنان، يبدو أن الأكثر ترجيحًا هو قطع خطوط الإمداد عن الحزب، لأن أي عودة لدور أمني سوري داخل لبنان تصطدم بحساسية داخلية لا يمكن القبول بها.

ما خرج به عون من واشنطن لا يمكن قياسه بما قاله ترامب أمام الكاميرات، بل بما إذا كانت الإدارة الأميركية قادرة على تحويل وعودها إلى وقائع، وفي مقدمها الضغط لإنجاز الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز دور الجيش والدولة. فإذا تحقق ذلك، يصبح الحديث عن إعادة تنظيم المشهد الأمني اللبناني أكثر واقعية. أما إذا بقي الاحتلال قائمًا واستمرت المواجهات، فستفقد الطروحات الأميركية كثيرًا من قدرتها على إقناع الداخل اللبناني.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي المتعلق بالزيارة ليس ما إذا كانت واشنطن تريد نزع سلاح حزب الله، بل أي دولة تريد بناءها في لبنان، ومن هم الشركاء الذين تراهم جزءًا من هذا المشروع. فبين تصريحات ترامب عن سوريا، ومحاولة عون تثبيت أولوية السيادة اللبنانية، والتلميح إلى أنه يمكن التعاون مع إيران على الساحة اللبنانية، بدأت تظهر ملامح مرحلة جديدة، عنوانها إعادة توزيع الأدوار في المنطقة أكثر مما هي معالجة لملف لبناني منفصل، على الرغم من كل الجهود التي بُذلت لفصل مسار التفاوض اللبناني–الإسرائيلي عن مسار التفاوض الأميركي–الإيراني، لكن تقاطع المصالح وترابطها مع بعضها يحتم التعامل بمقاربات مختلفة أحيانًا، وهذا ما استنتجته الإدارة الأميركية الحالية، وبدأت العمل عليه بصورة أكثر منطقية وواقعية.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا