آخر الأخبار

حضور وزير الخزانة… بداية المحاسبة؟

شارك

سعد شعنين

لم يكن حضور وزير الخزانة الأميركي اجتماع الرئيس دونالد ترامب مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تفصيلاً بروتوكولياً. ففي العرف السياسي، يشارك وزير الخزانة عندما تكون الملفات المالية والاقتصادية والإصلاحية جزءاً أساسياً من جدول الأعمال، وليس مجرد ملفات جانبية.

وبالنسبة إلى لبنان، الذي يعيش واحدة من أكبر الأزمات المالية في تاريخه، فإن هذا الحضور يحمل دلالات تستحق التوقف عندها، لأنه يعكس أن واشنطن تنظر إلى الإصلاح المالي باعتباره المدخل الحقيقي لإنقاذ الدولة، وأن أي دعم سياسي لن يكون منفصلاً عن إعادة بناء النظام المالي والإداري على أسس الشفافية والمساءلة.

فوزارة الخزانة الأميركية ليست مجرد وزارة مالية، بل تعد إحدى أكثر المؤسسات تأثيراً في رسم السياسات الاقتصادية الدولية، ومتابعة العقوبات، ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والتنسيق مع المؤسسات المالية العالمية، وفي مقدمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. لذلك، فإن وجود وزيرها في اللقاء يوحي بأن الجانب المالي كان في صلب النقاش.

ومن الطبيعي أن يكون ملف الإصلاح المالي حاضراً بقوة. فلبنان يقف أمام استحقاقات كبيرة، تبدأ بإعادة هيكلة القطاع المالي، وإقرار القوانين الإصلاحية، وتعزيز استقلالية القضاء، ولا تنتهي باستعادة الأموال العامة ومحاسبة المسؤولين عن الهدر والفساد، وهي ملفات يطالب بها المجتمع الدولي منذ سنوات.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن قرارات أميركية مباشرة ستصدر بحق شخصيات أو مؤسسات لبنانية، فهذه مسألة تخضع لاعتبارات قانونية وسياسية مستقلة. لكن المؤشرات توحي بأن المرحلة المقبلة قد تشهد تسريعاً في وتيرة الإصلاحات المطلوبة، وزيادة الضغوط الدولية لتطبيقها، وربط أي دعم اقتصادي أو مالي بمدى التقدم الفعلي في تنفيذها.

كما أن حضور وزير الخزانة يبعث برسالة إلى الداخل اللبناني بأن زمن الوعود قد يقترب من نهايته، وأن المطلوب اليوم خطوات تنفيذية واضحة، سواء في مكافحة الفساد، أو تعزيز الشفافية، أو إصلاح المالية العامة، أو تحديث القوانين الناظمة للقطاع المصرفي والإدارات العامة.

ومن زاوية أخرى، قد يشكل هذا الحضور عامل طمأنة للمؤسسات المالية الدولية والأسواق، إذ إن أي انخراط مباشر لوزارة الخزانة الأميركية في متابعة الملف اللبناني يعكس اهتماماً باستقرار النظام المالي، ويعزز فرص التنسيق مع الجهات الدولية المعنية ببرامج الدعم والإصلاح.

إن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة عن السنوات السابقة. فإذا نجحت الدولة اللبنانية في التقاط الإشارات التي خرجت من واشنطن، وتحويلها إلى برنامج إصلاحي حقيقي، فإن الباب قد يفتح أمام استعادة الثقة الدولية تدريجياً. أما إذا بقيت الإصلاحات رهينة التجاذبات السياسية، فإن أي زخم دولي سيتراجع، وستبقى الأزمة المالية تراوح مكانها.

لذلك، قد يكون وجود وزير الخزانة الأميركي في هذا اللقاء أكثر من مجرد مشاركة رسمية؛ فقد يكون مؤشراً إلى أن الملف المالي اللبناني دخل مرحلة متابعة مباشرة على أعلى المستويات، وأن المجتمع الدولي ينتظر أفعالاً لا أقوالاً، وإصلاحات قابلة للقياس لا تعهدات قابلة للتأجيل.

وإذا صحّ هذا المسار، فإن لبنان قد يكون أمام مرحلة عنوانها الواضح: دعم الدولة مقابل الإصلاح، والمساندة الدولية مقابل الشفافية، واستعادة الثقة مقابل المحاسبة
MTV المصدر: MTV
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا