مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من زوطر الغربية وانتشار الجيش اللبناني داخل البلدة، تتجه الأنظار إلى الخطوة التالية التي يُفترض أن تواكب تثبيت سلطة الدولة، وهي آلية دخول الجيش إلى المنازل والأملاك الخاصة للتأكد من خلوّها من السلاح والبنى العسكرية.
وفي هذا السياق، تطرح زوطر الغربية نفسها كأول اختبار عملي للآلية القضائية والأمنية التي تم إعدادها للمناطق النموذجية، وما إذا كانت ستكون باكورة تطبيق إجراءات التفتيش بإشراف القضاء وغطائه القانوني.
وكشف مصدر قضائي لـ "نداء الوطن" أنّ العمل قائم للاستحصال على إشارات قضائية خاصة تؤمّن الغطاء القانوني لدخول الجيش اللبناني إلى الأملاك الخاصة الواقعة ضمن المناطق النموذجية، بما يتيح تنفيذ عمليات التفتيش بصورة قانونية ومنسجمة مع طبيعة المهمة العسكرية والأمنية الموكلة إليه.
وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون قد تمسّك، خلال لقاءاته في واشنطن، بأن يبدأ تطبيق مشروع المناطق النموذجية وفق الرؤية اللبنانية، أي عبر انسحاب إسرائيل أولا من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها، لا من مناطق ينتشر فيها الجيش اللبناني أساسًا.
وفي موازاة ذلك، أعلنت الخارجية الأميركية إطلاق المرحلة الأولى من المناطق النموذجية، مشيرة إلى أنّ العمل بدأ في بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية، برعاية مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان، على أن يتولى الجيش اللبناني مسؤولية تطهير هذه المناطق من الأسلحة والبنى العسكرية غير الشرعية، ثم تثبيت السيطرة عليها ومنع إعادة استخدامها لأغراض عسكرية.
وتكشف المعلومات عن أنّ الجانب الإسرائيلي كان قد أصرّ، خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة، على أن تبدأ المناطق النموذجية من شمال الليطاني، وأن تشمل زوطر الشرقية وزوطر الغربية، باعتبارهما جزءًا مما تصفه إسرائيل بـ "المنطقة الصفراء" الخاضعة لرقابتها العسكرية.
ويعني ذلك عمليًا توسيع نطاق تطبيق مبدأ حصرية السلاح ليشمل شمال الليطاني أيضًا، بعدما كان محصورًا عمليًا بجنوبه، وهو ما شكّل إحدى أبرز نقاط التفاوض بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.
وفي الإطار القانوني، أوضح مصدر عسكري لـ "نداء الوطن" أنّ الآليات القضائية المعتمدة في الظروف العادية تختلف عن تلك التي تفرضها العمليات العسكرية. ففي الحالات الاعتيادية، تحتاج القوى العسكرية والأمنية، بما فيها الجيش والشرطة العسكرية والمخابرات، إلى إذن من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أو من الجهات القضائية المختصة قبل تنفيذ عمليات الدهم أو التوقيف.
أما في المناطق العسكرية أو مناطق العمليات، حيث يفرض الواقع الأمني سرعة التحرك، فيصبح من الضروري أن يحصل الجيش على تفويض قضائي شامل يغطّي كامل نطاق المهمة، بما يسمح له بتنفيذ عمليات التفتيش والدهم مباشرة، على أن يرفع لاحقًا نتائج التنفيذ إلى السلطة القضائية، بدلا من انتظار استصدار إذن منفصل لكل عملية.
وأكد المصدر أنّ منح هذا الغطاء القضائي المسبق يوفّر حماية قانونية للمؤسسة العسكرية، ويمنحها هامشًا أوسع لتنفيذ مهماتها، بما يضمن تطبيق القانون بكفاءة أكبر، ولا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي ترافق تنفيذ المناطق التجريبية.
وأوضح أنّ هذا المبدأ ينسحب أيضًا على دخول المنازل والأملاك الخاصة، إذ إنّ الأصل القانوني يفرض وجود إذن قضائي، غير أنّ إعلان المنطقة منطقة عمليات أو منطقة عسكرية، أو منح الجيش استنابة قضائية عامة، يسمح بتنفيذ عمليات التفتيش بصورة مباشرة، مع إبلاغ القضاء بنتائجها فور انتهاء المهمة.
وفي المقابل، تشير المعطيات إلى أنّ إطلاق المرحلة الأولى من المشروع التجريبي لم يخل من تعقيدات، إذ برز خلاف حول آلية الرقابة على هذه المناطق، بعدما اقترح لبنان أن تضطلع "اليونيفيل" أو جهة أممية بهذه المهمة، فيما رفضت إسرائيل ذلك، متمسكة باعتبار أي نشاط لـ"حزب الله" داخل هذه المناطق مؤشرًا إلى فشل المشروع، بما قد يوقف الانتقال إلى مراحل الانسحاب اللاحقة.
وبذلك، تبدو زوطر الغربية أمام اختبار يتجاوز مجرد الانتشار العسكري، لتصبح النموذج الأول لقياس قدرة الدولة اللبنانية على الجمع بين الحسم الأمني والغطاء القضائي في فرض حصرية السلاح وتثبيت سلطتها الكاملة على الأرض.