التجديد لأي مهمة دولية يجب أن يسبقه تقييم موضوعي لنتائجها، لا أن يتحول إلى إجراء روتيني يتكرر كل عام.
"لم يكن تأييد 86 نائبًا لبنانيًّا تجديد ولاية قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) مجرد إجراء روتيني يفرضه الاستحقاق السنوي، بل شكّل مناسبة لإعادة طرح سؤال وطني كبير ظل مؤجلا لعقود:هل يجوز أن نجدد مهمة دولية مضى على وجودها ما يقارب نصف قرن، من دون أن نجري تقييمًا جديًّا لنتائجها ومدى تحقيقها للأهداف التي أنشئت من أجلها؟
هذا السؤال ليس موجهًا ضد الأمم المتحدة، ولا ضد الدول الصديقة التي قدّمت أبناءها ضمن قوات حفظ السلام، ولا ضد فكرة التعاون الدولي. بل هو سؤال مشروع يطرحه كل من يؤمن بقيام الدولة اللبنانية وسيادتها الكاملة على أرضها.
أُنشئت"اليونيفيل" بموجب القرارين 425 و426 الصادرين عن مجلس الأمن عام 1978، بهدف المساهمة في استعادة الأمن والاستقرار في جنوب لبنان، وتأكيد الانسحاب الإسرائيلي، ومواكبة عودة سلطة الدولة اللبنانية إلى المنطقة. وبعد حرب تموز عام 2006، توسعت مهامها بموجب القرار 1701، الذي شكّل الإطار القانوني الناظم لعملها حتى اليوم، من خلال وقف الأعمال العدائية، ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، ومساندة الدولة اللبنانية في بسط سلطتها وتنفيذ الالتزامات الواردة في القرار.
لكن بعد عقود من وجود هذه القوة، يحق للبنانيين أن يتساءلوا: هل تحققت هذه الأهداف؟
لقد شهد الجنوب خلال تلك السنوات تحوّلات عسكرية وأمنية كبيرة، وانتشرت فيه بنى مسلحة خارج سلطة الدولة، وتعاظمت القدرات العسكرية لفصائل مسلحة، وصولا إلى اندلاع مواجهة واسعة عام 2023 حملت لبنان إلى حرب مدمرة، وخلفت خسائر بشرية ومادية هائلة، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من المواطنين. سواء اتفق اللبنانيون أو اختلفوا حول أسباب تلك الحرب، فإن النتيجة واحدة القرار 1701 لم يحقق الغاية التي وُضع من أجلها، وهي منع انزلاق الجنوب مجددًا إلى دائرة المواجهات.
إن تحميل "اليونيفيل" وحدها مسؤولية هذا الواقع سيكون تبسيطًا للمشهد. فالقوة الدولية تعمل ضمن تفويض يحدده مجلس الأمن، وبالتنسيق مع الدولة اللبنانية، ولا تملك أن تتجاوز الصلاحيات الممنوحة لها. كما أن مسؤولية تطبيق القرار 1701 تقع أولا على عاتق الدولة اللبنانية والأطراف المعنية بتنفيذه.
غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يمنع من طرح سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت الصلاحيات الحالية أثبتت محدوديتها في تحقيق الأهداف، فلماذا نجدد المهمة بالشروط نفسها من دون السعي إلى تطويرها؟
في هذا السياق، يصبح من المشروع فتح نقاش وطني حول الإطار القانوني الذي تعمل بموجبه "اليونيفيل". فالفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، الذي تستند إليه عمليات حفظ السلام التقليدية، يقوم على موافقة الأطراف، ويعطي الأولوية للوساطة والتنسيق والحلول السلمية، ولا يمنح القوة الدولية صلاحيات تنفيذية واسعة لفرض تطبيق القرارات الدولية. أما الفصل السابع، فيتيح لمجلس الأمن، عندما يرى أن السلم والأمن الدوليين مهددان، منح تفويض أكثر إلزامًا، يسمح باتخاذ تدابير عملية ضمن حدود القرار الصادر عنه.
من هنا، فإن الدعوة إلى دراسة إمكان تطوير تفويض "اليونيفيل"، إذا ارتأى مجلس الأمن ذلك، ليست دعوة إلى انتقاص السيادة اللبنانية، بل يراها أصحاب هذا الرأي وسيلة لتعزيز تنفيذ القرار 1701 وحماية الاستقرار، بالتوازي مع دعم الجيش اللبناني وتمكين الدولة من ممارسة سلطتها الكاملة على أراضيها. ومن الناحية القانونية، فإن أي انتقال من الفصل السادس إلى الفصل السابع لا يمكن أن يتم بإرادة لبنانية منفردة، بل يتطلب قرارًا جديدًا يصدر عن مجلس الأمن الدولي.
وأستذكر هنا أنه خلال النقاشات التي رافقت إعداد اتفاق معراب 3، والتي شاركت في بعض جوانبها، طُرحت أفكار تدعو إلى إعادة النظر في طبيعة التفويض الممنوح لـ"اليونيفيل"، انطلاقًا من قناعة بأن المراقبة وحدها لا تكفي إذا كان الهدف الحقيقي هو حماية الدولة اللبنانية ومنع تكرار الحروب. قد يختلف اللبنانيون حول هذا الطرح، لكنه يبقى جزءًا من نقاش مشروع حول أفضل السبل لترسيخ سيادة الدولة.
إن القضية الجوهرية ليست "اليونيفيل" بحد ذاتها، بل الدولة اللبنانية. فلا يمكن لأي قوة دولية، مهما بلغ حجمها، أن تحل محل الدولة أو الجيش. فالجيش اللبناني هو المؤسسة الشرعية الوحيدة المخولة الدفاع عن الوطن وحماية حدوده، وأي دور دولي يجب أن يكون عاملا مساعدًا لتعزيز هذه المؤسسة، لا بديلا عنها، ولا غطاءً لاستمرار أي واقع خارج سلطتها.
كما أن مجلس النواب، وهو السلطة التي تمثل الشعب اللبناني، مدعو دائمًا إلى أن يقرن أي موقف سياسي بتقييم موضوعي للنتائج. فالتمديد للمهمة يجب أن يكون مناسبة لمراجعة شاملة، لا مجرد محطة إجرائية تتكرر كل عام من دون مساءلة أو محاسبة أو تطوير.
لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة من أرواحهم واقتصادهم واستقرارهم، ولا يجوز أن تبقى التجارب السابقة خارج دائرة التقييم. فالمراجعة ليست إدانة لأحد، بل هي شرط أساسي لتحسين الأداء وتصحيح المسار.
إن المطلوب اليوم ليس رفض "اليونيفيل"، وليس القبول بها كما هي، بل إطلاق نقاش وطني مسؤول حول كيفية جعل وجودها أكثر فاعلية في خدمة الهدف الذي أنشئت من أجله، دعم الدولة اللبنانية، ومساندة الجيش اللبناني، والمساهمة في تنفيذ القرارات الدولية بما يحفظ الأمن والاستقرار.
فالدول لا تُبنى بالتجديد الشكلي، بل بالمراجعة الجريئة. والسيادة لا تتحقق بكثرة القرارات، بل بحسن تنفيذها. وإذا كان لبنان يريد أن يفتح صفحة جديدة من الاستقرار، فإن البداية تكون من سؤال بسيط، لكنه بالغ الأهمية: هل نريد تمديد مهمة، أم نريد إنجاحها؟
المصدر:
MTV