آخر الأخبار

الدولة أمام اختبار الحسم

شارك
كتب داوود رمال في "الجمهورية:لم يعد ممكنًا استمرار التعاطي السياسي في لبنان مع سلوكيات " حزب الله " بالطريقة نفسها التي سادت خلال السنوات الماضية، بعدما باتت الوقائع المرتبطة بإدارة الشأن العام وبالاستحقاقات الدستورية تفرض مقاربة مختلفة تقوم على احترام الدستور والقانون، لا على موازين القوة أو التسويات القائمة على الخشية من الاصطدام. فالمسألة أصبحت تمس جوهر الدولة وآليات عمل مؤسساتها، خصوصًا في ما يتعلق بصلاحيات السلطة التنفيذية والمرجعيات الدستورية المعنية بالتفاوض وإبرام الاتفاقات والمعاهدات، وفق ما نصّت عليه المادة 52 من الدستور اللبناني.يبدو أن "حزب الله"، الذي اعتاد طويلا إدارة الكثير من الملفات من موقع فائض القوة وبأسلوب الإخضاع، يواجه صعوبة في الانتقال إلى منطق الدولة وقواعدها. فالسلوك الذي يقوم على فرض الوقائع ومن ثم البحث عن تبريرات سياسية لها لم يعد قابلا للاستمرار في ظل التحولات الداخلية والإقليمية والدولية. كما أن محاولة تحوير الحقائق أو بناء سرديات بديلة لتبرير ممارسات تتعارض مع منطق المؤسسات لم تعد تجد البيئة نفسها التي كانت تسمح بتمريرها في مراحل سابقة. وتكمن إحدى نقاط الضعف الأساسية التي تُسجّل على المستوى السياسي الرسمي في أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اختارا، انطلاقًا من مسؤولية وطنية، نهج الحوار الهادئ مع "حزب الله"، انطلاقًا من اعتقاد بأن المقاربة العقلانية يمكن أن تساعد في إقناعه بأن العالم تغيّر، وأن مصلحة "الحزب"، كما مصلحة كل اللبنانيين، تكمن في العودة إلى كنف الدولة والالتزام بشروطها الدستورية والقانونية. غير أن هذا الخيار قوبل بحملات تخوين واتهامات وشتائم عبر المنابر الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، فيما بقي التعاطي الرسمي في إطار الاحتواء والاستيعاب، وهو ما أعتبره نوعًا من الاستمرار في سياسة "تغنيج" الثنائي الشيعي، ولا سيما "حزب الله"، على حساب هيبة المؤسسات. اليوم، تبدو الأمور وقد بلغت مرحلة أكثر خطورة، خصوصًا بعد انتشار لوائح عبر مجموعات إلكترونية تتهم شخصيات عامة وبارزة بالعمالة. وحتى مع إعلان "حزب الله" عدم مسؤوليته عن هذه اللوائح، فإن مجرد انتشارها عبر مجموعات معروفة هويتها يطرح أسئلة خطيرة حول المناخ الذي يسمح بتداول اتهامات من هذا النوع، وحول المسؤولية القانونية والسياسية لمن يقف خلفها. وتستعيد هذه التطورات ذاكرة لبنانية مؤلمة، حيث سبق أن شهد البلد مراحل استُخدمت فيها لغة التخوين والتحريض قبل وقوع اغتيالات طالت شخصيات كان من أبرز محطاتها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تبعه من اغتيالات وأحداث أمنية وسياسية خطيرة، إضافة إلى سلسلة طويلة من الاغتيالات في مراحل سابقة. لذلك، فإن التعامل مع أي خطاب يحرّض على الآخرين أو يضعهم في دائرة الاتهام بالخيانة لا يمكن أن يكون مسألة يمكن تجاوزها، بل يحتاج إلى موقف حازم من الدولة وأجهزتها القضائية والأمنية.المطلوب اليوم من الرئيسين عون وسلام اتخاذ خطوة سياسية وعملانية تعيد الاعتبار لمنطق الدولة والمؤسسات، وتوجّه رسالة واضحة بأن مرحلة استباحة الكرامات أو استخدام التخوين كأداة ضغط انتهت. فاستمرار الصمت أو الاكتفاء بإدارة الأزمة قد يُفسّر على أنه عجز، فيما المطلوب هو تثبيت سلطة المؤسسات وحماية المجال العام من الانزلاق إلى مزيد من التوتر.وخلال سنة ونصف السنة تقريبًا، وجد المستوى السياسي الرسمي نفسه، ممثلا برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، في موقع تلقّي الضربات السياسية والإعلامية والشعبية والافتراضية المعروفة المصدر، الأمر الذي انعكس على صورة الدولة في الخارج، وهو ما يردده عدد من السفراء في بيروت الذين يرون أن اهتزاز صورة المؤسسات اللبنانية يشكل مؤشرًا مقلقًا. فالسلطة الحالية تتعامل مع نتائج أزمات لم تكن هي من صنعها، والشعب اللبناني يتحمل تبعات كارثة لم يكن مسؤولا عنها، لكن استمرار إدارة هذه المرحلة بالأساليب نفسها قد يؤدي إلى خسارة ما تبقى من مقومات الدولة.إن اللحظة الراهنة تتطلب تغييرًا في السلوك الرسمي قبل فوات الأوان. فالمطلوب ليس مواجهة مكوّن لبناني، بل مواجهة منطق يضع الدولة أمام أمر واقع دائم. إنقاذ لبنان، كما إنقاذ كل مكوّناته، يمر عبر دولة قوية عادلة تحكمها المؤسسات والدستور.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا