لم تعد الكراسي القضائية ثابتة على قواعدها، بعدما قرّر مجلس القضاء الأعلى أن يزوّدها بعجلات، لتغدو قابلة للدوران والانتقال كلّما اقتضت المصلحة القضائية ذلك.
ففي خطوة غير مسبوقة في تاريخ القضاء اللبناني، يُثبت مجلس القضاء الأعلى أنّ الزمن الذي كانت فيه المواقع تُكتسب ثم تستقرّ إلى أجل غير مسمّى قد تغيّر. ويأتي ذلك من خلال عزمه إصدار تشكيلات قضائية جزئية يُرجّح أن تكون في أواخر تموز، كان رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي سهيل عبّود، قد وعد بها عقب جردة تقييمية شاملة، على أن تصبح نافذة في 15 أيلول، تزامنًا مع انطلاق السنة القضائية الجديدة.
تقول مصادر قضائية لـ"نداء الوطن" إنّ المهنية في القضاء لا تُقاس بعدد الأحكام فحسب، بل بقدرة القضاة أيضًا على مواجهة المرآة. وهذه الخطوة لا يخوضها إلّا من اعتاد المشي واثقًا في ممرات العدالة بخطوات ثابتة. أمّا من ركن إلى موقعه واستكان إلى استقراره، فقد اتُّخذ قرار بإيقاظه من هذا السكون، عبر إعادة النظر في موقعه ومسؤولياته، في ضوء نتائج التقييم.
تضيف المصادر: لم يعد بقاء القاضي في موقعه حقًا مكتسبًا، وإنّما استحقاقًا يتجدّد وفق قياس الأداء، ويُحسم بميزان الكفاءة والإنتاجية والمسؤولية. وهذا تمامًا ما يفعله مجلس القضاء الأعلى.
انطلاقًا ممّا تقدّم، فالمشهد ليس صاخبًا، لكنّه ليس ساكنًا أيضًا. ثمة ورشة هادئة تدور خلف الأبواب: تقييم، ومراجعة، ومساءلة، وثواب أيضًا. أمّا محصّلتها، فتتمثّل في تشكيل نحو خمسين اسمًا، بعضهم يشغل مراكز قضائية عليا، على أن يبقى هذا العدد قابلا للارتفاع في ضوء نتائج التقييم النهائي.
يحاول مجلس القضاء الأعلى تكريس معادلة مختلفة في بلد اعتاد أن يقرأ الحركة القضائية من منظار السياسة وبنظارات السياسيين. في المعادلة الجديدة، كلّ قاضٍ يُقاس بما أنجز. وعليه، نكون أمام قضاء بدأ يراجع نفسه قبل أن يحاكم الآخرين، وتلك سابقة في حد ذاتها.
لكن هل سينشر مجلس القضاء الأعلى نتائج عملية التقييم والمعايير التي اعتمدها؟
تؤكّد المعطيات أنّ التقييم الذي أجراه مجلس القضاء الأعلى خلال الأشهر الماضية استند إلى ثلاثة معايير رئيسية: المناقبية القضائية، والأداء القضائي، والإنتاجية داخل المحاكم. وهي معايير ينظر إليها المجلس باعتبارها المدخل الطبيعي لقياس أهلية القاضي للاستمرار في الموقع الذي يشغله أو الانتقال إلى موقع آخر. وتؤكّد المصادر أنّ هذه المعايير كافية لتكريس ثقافة التقييم والمحاسبة داخل الجسم القضائي، ولجعل الحركة داخل الأروقة القضائية مرتبطة بمعايير قابلة للقياس. لكن لا أحد يتحدّث عن حملة تأديبية، بل عن محاولة لترسيخ فكرة أنّ المؤسسة التي تفصل في نزاعات الناس مطالبة أيضًا بأن تراجع أداءها بنفسها.
أمّا فيما خصّ نشر نتائج عملية التقييم، فتشير المصادر إلى أنّ الأمر يبقى محكومًا بالأحكام التي يتضمّنها مشروع قانون تنظيم القضاء العدلي، الذي يتضمّن أحكامًا خاصة بتقييم عمل المحاكم وآليات تقييم أداء القضاة، تحاول تحقيق معادلة دقيقة بين حق الرأي العام في الاطلاع على أداء المؤسسة القضائية وبين ضرورة الحفاظ على سرية الملفات الفردية للقضاة. وانطلاقًا من ذلك، يحرص مجلس القضاء الأعلى على ألا تتحوّل نتائج التقييم إلى مادة تُتداول خارج العدلية، لأنّ الهدف، وفق هذه المصادر، ليس التشهير، بل تصويب العمل القضائي.
تعتبر المصادر أنّ الضمانة الأولى تبقى في شخصية القاضي نفسه واستقلال ضميره، غير أنّ مجلس القضاء الأعلى سعى إلى تعزيز هذه الضمانة من خلال إقرار التشكيلات الأخيرة بإجماع أعضائه، وإرفاقها بأسباب موجبة ومعايير موضوعية معلنة للمرة الأولى، إضافة إلى الملاحظات التي وضعها على مشروع قانون تنظيم القضاء العدلي، والتي ركّزت بصورة خاصة على تعزيز استقلال السلطة القضائية وإبعادها عن أي تأثيرات خارجية.
وهل قرّر المجلس إحالة أي من هذه الحالات إلى هيئة التفتيش القضائي؟
توضح المصادر نفسها أنّ الإحالة إلى هيئة التفتيش القضائي ليست النتيجة الوحيدة الممكنة للتقييم، ولا هي الغاية الأساسية منه. فمن استوجبت حالته الإحالة، سبق أن أُحيل إلى التفتيش القضائي وفق الأصول. أمّا ما يجري التحضير له اليوم، فيتجاوز المقاربة التأديبية الضيقة، ليشمل أيضًا معالجة الشغور الذي نتج عن التعيينات القضائية الأخيرة، والإحالات إلى التقاعد، والاستقالات، إلى جانب اعتماد مبدأ الثواب، وليس العقاب وحده، في إدارة الجسم القضائي. وهذه المقاربة، التي تربط للمرة الأولى التشكيلات الجزئية بصورة منهجية بنتائج تقييم موضوعي لأداء القضاة، من شأنها أن تحوّل التقييم من إجراء إداري إلى أداة دائمة لإدارة المرفق القضائي.
وهكذا، تتجاوز هذه التشكيلات حدود كونها حركة تنقّلات داخل الجسم القضائي، لتتحوّل إلى إعلان عن نهج جديد في إدارة القضاء. فلا ثورة صاخبة، ولا إجراءات استعراضية، بل محاولة لتغيير الثقافة الإدارية داخل القضاء نفسه. ففي مؤسسة اعتادت أن تُقاس هيبتها باستقلالها، يضيف مجلس القضاء الأعلى معيارًا آخر: أن تُقاس أيضًا بقدرتها على تقييم نفسها، ومكافأة المجتهد، ومساءلة المقصّر، قبل أن تطلب من الآخرين الخضوع لأحكامها، بما يفتح الباب أمام تحويل هذه التجربة إلى ممارسة مؤسساتية دورية، لا ترتبط بظرف معيّن أو بولاية مجلس بعينه.