آخر الأخبار

توازن العجز… لا حرب الآن لكن لا سلام أيضاً

شارك
لا يعني تراجع صوت المدافع أن أسباب الحرب بين إسرائيل وحزب الله قد انتهت، ولا أن الطرفين توصّلا إلى تسوية تضمن استقرار الحدود. فالاحتلال الإسرائيلي لا يزال قائماً في أجزاء من جنوب لبنان ، وحزب الله يرفض التخلي عن سلاحه تحت الضغط، فيما تبقى الهوّة واسعة بين الشروط الإسرائيلية وموقف الحزب.

ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن الطرفين لا يملكان حالياً حرية العودة إلى حرب شاملة. فالمواجهة الأخيرة لم تحسم عسكرياً، لكنها فرضت كلفة بشرية واقتصادية وسياسية مرتفعة، وربطت قرار التصعيد بحسابات إقليمية ودولية وانتخابية.

ما يمنع الحرب اليوم ليس الثقة، بل حاجة الطرفين إلى الوقت.

وفي هذا السياق، انتقلت المواجهة من العمليات العسكرية إلى مسار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة . ففي تموز 2026، عقدت جولة مفاوضات في روما ركزت على إنشاء “مناطق تجريبية”، تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش اللبناني .

لكن إسرائيل تربط الانسحاب بتفكيك بنية حزب الله ، بينما يطالب لبنان بانسحاب واضح أولاً. هذا المسار لا يضمن اتفاقاً، لكنه يرفع كلفة العودة إلى الحرب، ويجعل كل طرف أكثر حذراً في قراراته.

وفي موازاة المفاوضات، تبرز الحسابات السياسية داخل إسرائيل باعتبارها عاملاً أساسياً في ضبط مستوى التصعيد. فترتبط حسابات بنيامين نتنياهو بالانتخابات المقررة في تشرين الأول 2026، إذ يحتاج إلى إقناع الناخبين بأن الشمال أصبح آمناً، وأن العمليات العسكرية أبعدت حزب الله عن الحدود.

وأي تصعيد واسع قبل الانتخابات قد يعيد النزوح ويقوّض صورته السياسية. لذلك، يفضّل الحفاظ على هدوء نسبي، مع استمرار الضربات المحدودة والضغط العسكري دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

ومن هنا، يحاول نتنياهو الجمع بين إبقاء قواته داخل لبنان ومنع التصعيد. فالانسحاب قد يُفسَّر ضعفاً، والحرب قد تكون مكلفة وغير مضمونة النتائج. لذلك يعتمد سياسة “التصعيد المحدود”: عمليات موضعية وضغط تفاوضي، دون مواجهة واسعة، بما يمنحه صورة القائد الحازم والسياسي الذي نقل عبء المواجهة إلى الدولة اللبنانية .

غير أن هذه السياسة لا تلغي التحديات التي يفرضها استمرار الاحتلال . فكلما طال وجود القوات الإسرائيلية، زادت احتمالات تعرضها لهجمات استنزاف، فيما لا يكفي التفوق الجوي لحماية كل الجنود والمواقع. كما أن سقوط قتلى بصورة متكررة قد يحول الاحتلال إلى عبء داخلي، خصوصاً قبل الانتخابات.

ولا تقتصر هذه الحسابات على الجانب العسكري، بل تشمل أيضاً الاقتصاد. فالحروب المتتالية أثقلت الاقتصاد الإسرائيلي، وخُفّضت توقعات النمو، وارتفع الإنفاق الدفاعي، ما يزيد الضغط المالي. لذلك، ورغم قدرة إسرائيل العسكرية، فإنها لا تستطيع تحمّل حرب جديدة بسهولة، وهو ما يدفعها إلى تجنب مواجهة واسعة في هذه المرحلة.

وفي المقابل، لا يبدو حزب الله مستعداً لحرب شاملة. فقد تكبد خسائر، وتضررت بيئته الجنوبية، ويحتاج إلى إعادة تنظيم صفوفه. ورغم احتفاظه بقدرات عسكرية، فإن توقيت الحرب غير مناسب، إذ أصبح الوقت بالنسبة إليه عنصراً أساسياً لإعادة البناء واستعادة التوازن.

ولا ترتبط حسابات الحزب بالجانب العسكري فقط، بل أيضاً بموقعه الداخلي. فالدخول في حرب جديدة قد يُستخدم ضده سياسياً، خصوصاً مع وجود اتفاق دولي يتناول سلاحه. لذلك يسعى إلى الحفاظ على قوته من دون الظهور كطرف يعطل الانسحاب أو يجر البلاد إلى حرب جديدة.

ويزداد هذا الاعتبار أهمية في ظل واقع الجنوب، الذي يعاني دماراً واسعاً وخسائر اقتصادية كبيرة، فيما يريد السكان العودة وإعادة الإعمار، بينما تفتقر الدولة إلى الموارد. لذلك، فإن أي حرب جديدة ستفاقم الأزمة، ما يجعل قرار التصعيد أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الحزب.

وفي حال استمرار الاحتلال، قد يلجأ حزب الله إلى عمليات محدودة بدلاً من حرب شاملة، بهدف تحويل الوجود الإسرائيلي إلى عبء. وهذا السيناريو يقلق إسرائيل، التي لا تريد استنزافاً طويل الأمد، خصوصاً قبل الانتخابات.

وفي الوقت نفسه، يمنح اتفاق الإطار إسرائيل مكاسب سياسية، أبرزها نقل ملف سلاح حزب الله إلى الدولة اللبنانية ، وربط الانسحاب بما تسميه “الأداء اللبناني”. وبهذا، تتحول إسرائيل من قوة مطالبة بالانسحاب إلى طرف يحدد شروطه.

كما يضع الاتفاق الجيش اللبناني أمام مهمة حساسة تتمثل في الانتشار ومنع أي سلاح خارج الدولة. لكن تنفيذ ذلك قبل انسحاب إسرائيل قد يخلق توتراً داخلياً، فيما قد يهدد أي احتكاك دور الجيش ووحدته، خصوصاً إذا أصبح أداؤه خاضعاً لتقييم خارجي.

ولا يقتصر الضغط على الجانب الأمني، إذ تتحول إعادة الإعمار أيضاً إلى ورقة ضغط، في ظل حاجة لبنان إلى تمويل خارجي قد يُربط بشروط سياسية وأمنية، ما يضع السكان أمام معادلة صعبة بين العودة وتقديم تنازلات.

وفي المحصلة، لا يملك أي طرف القدرة على الحسم. فإسرائيل لا تستطيع القضاء على حزب الله، والحزب لا يستطيع منع التفوق الإسرائيلي. وهذا “توازن العجز” يمنع الحرب، لكنه لا يصنع سلاماً.

وقد تؤجل الانتخابات الحرب، لكنها لا تلغيها. فإذا فشلت المفاوضات أو تصاعدت الخسائر، قد يعود التصعيد. كما قد تنهار التهدئة نتيجة عملية كبيرة، أو غارة واسعة، أو احتكاك داخلي، أو فشل المفاوضات، أو تصعيد إقليمي.

في هذه المرحلة، لا سلام مستداما ولا حرب مفتوحة، بل توازن هشّ يبقي الجنوب معلّقاً بين مفاوضات تؤجل الحرب واحتلال يمنع السلام.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا